العشرون من دجنبر،
عزيزتي المتواصلة بحب،
لربما أشتاقك كلما سكنتُ مكانا جديدا، بجزاف،
إن أمكنة لا تزدحم بذكراكِ وتفاصيلكِ، هي أمكنة رمادية لا تفصح عن لون، أمكنة فقيرة لا تمنح أيّ المعنى.
ومع ذلك، إن مكانا يخلو منك، هو مكان يحررني من ثقل الذكرى، ووطأة الحنين، وجبروت الحضور، حضوركِ.
أما عن طنجة، فقد رحلت إليها ولم أحمل سوى عطرك وضحكتك، وألفة عينيكِ. بالطبع جلبت ثيابي كذلك!
اسمعي مني عن طنجة الهادئة في ضجيج والضاجة في هدوء:
– لقد بدأت أفقد دهشتي بطنجة كمكان ساحر يا صديقي!
-اعتياد الأماكن يفقدها رونقها، حتى لو كان المكان روما أو بوسطن.
-الأمر مخيف!
-الأمر بسيط؛ يجب أن يتحرر المرء من المكان والزمان، كلاهما مجرد وهم جميل!
كان هذا حديثا عارضا عن طنجة التي أعيتنا بتناقضاتها، كما أعيتْ قبلنا شكري ومارك توين وايديث وارتون وباتريشيا هايسميث، ولم يظفروا منها جميعا حتى بقبر محترم، مع أن القبور في مجملها، لا تحترم خيلاء الإنسان وأنفته عندما يحل بها ويرد عليها.
لقد عجزتُ حتى اليوم عن ضبط علاقة مستقرة مع هذه المدينة، وفشلت في تبني موقف واضح منها: بالقبول أو الرفض، بالألفة أو الغرابة ببساطة، لأن طنجة ثقب أسود ضخم لعين، يبتلع كل شيء، لا ينتقي ولا يسْتقي، ولا يتّقي ولا يستبقي.
تضم بين ثناياها المنفرطة تناقضات لا تنتهي، تطوي في أحيائها الخلفية عشرات المهاجرين الجبليين، وتؤوي عشرات الهاربين من شظف وجفاف الجنوب، وتجذب أصنافا من المهاجرين الأفارقة، هؤلاء الذين يطلون بعيون تعبة مستجدية إلى الضفة الأخرى، إلى ذلك العالم الذي تنتهي عنده، في اعتقادهم، كل مآسي الحياة، جاهلين بأن المأساة واحدة وتجلياتها شتّى.
تتجمل طنجيس للمتأنقين وتتملق المتألقين، لسيارات فارهة مرقونة بأرقام أوروبية أو عاصمية، تغازل أحياء جذابة تصطف فيها مبان عصرية بشكل بديع، وعلى مرمى حجر تصطك أحياء أخرى اصطكاك أسنان كلب مسعور سخطا وغيظا، مجمعات سكنية هي أقرب إلى كولومبيا منها إلى المغرب!
تقبل طنجة الْمِثْلي وتقبل الشّرِهَ إلى الجِنس الآخر مثلي، تبجل العلماء وحلقاتهم، وتضج بالأولياء ومزاراتهم، تزخر بالصالحين وزواياهم، تلك التي تجاور أحيانا كثيرا حانات ونواد ليلية. تمجد عروس المتوسط المارقة من زفافها، المحافظين والحداثيين، والفقهاء والكتاب والفنانين. تفسح للمساجد وللمصانع ولمقاهي الشيشة وللملاهي وللكازينوهات، للمكتبات الفاخرة، ولدور العرض وللمراكز الثقافية، وللأسواق الشعبية المكتظة، ولمواخير البغاء. لأشياء وأخرى تمزج أنساقا متناقضة بنقيضاتها، تحكمها جميعا حدود مترهلة، تجعل هذا التداخل محيرا، يقحم المكان من حيث المظهر العام للفضاء والعمران، والإنسان، في أزمة هوية فظيعة.
تجد عند الناصية، مبنى سيرفانتيس: المركز الثقافي الإسباني العتيق مستندا إلى الجبل وراءه في لُهاث، أعيته السنين وأعياه الحنين، وأذله نسيان الناسين وبول المشرّدين، وهناك قبالته بشرفةِ شقة اقتصادية متسخة بعمارة أصيبت بالشيخوخة المبكرة، تلمح ملابس داخلية نسائية منشورة على عجل، في وجه بناية بتاريخ سيرفانتيس وحمولتها التاريخية والفكرية، إنها مفارقة بصرية غريبة تعكس الرعونة التي أصبحت المدينة ترزح تحتها.
تجاوز إلى “السوق د برا” حيث تؤدي أسرة رثة الثياب مغْبرة القسمات حركاتِ خفةّ، يتجمهر جمع لا بأس به من الفضوليين ومن الفوضويين الذي لا يملكونما ينفقون فيه وقتهم البائس. تحمل الزوجة، اللابسة بيجامة منزلية، زوجها النحيل فوق كتفيها ويقف منتصبا هناك، ويقوم بدوره بحمل ابنه على كتفيه، ليشكل الثلاثي هرما بشريا.
تقول واحدة لأخرى: إنهم مساكين، أشفق على حالهم.
تمر أجنبية من وسط حلقتهم غير عابئة بالجمع، ماضية وكأنها تمر بمجموعة كلاب ضالة تتجاذب حفاظة طفل تظنها بقية وجبة! تقطع العرض بوقاحة وعجرفة، ما الذي أجرأها على الفعل؟ مركب النقص عندنا لما يتعلق الأمر بالأجنبي.
يقسم لي الصديق أنه حضر عرضا بالمعهد الفرنسي لا يرقى إلى مستوى ما تقدمه هذه الأسرة من إبداع، مع الفارق في الإمكانيات والتقدير، انصرفت الأسرة بعدما حصّلت الكثير من كلمات الشفقة وقهقهات السخرية وبضع دريهمات.. انصرفت دون أن تحصّل تصفيقة تقدير واحدة!
لم يكن الهروب من هذه الأحزان إلا إلى المدينة القديمة، حيث الحوار الأزلي بين الأصيل والدخيل، بين مقهى طنجيس ومقهى سنترال المتجاورين، المتجاوزين، المتناقضين.
طوينا الدروب المفعمة بروائح التبسط الشعبي المعروك بعرق ودماء البسطاء، بروائح حلوياتهم وجلود ذبائحهم، وسِواك نسائهم وحشيش شبابهم، تلقفتنا الأزقة الروحية المظلمة التي نهاب السير فيها، لكننا مشينا قليلا، مشينا شئنا ذلك أم أبينا، كذلك ظللنا نمشي ما استطعنا إلى ذلك سبيلا.
كان السير متسارعا ونوستالجيّاً مثل تنهيدةٍ دافئة للعربي باطمة أو موال أطلسي لحدة أوعكي، كان مثل توَهان مجذوبٍ في السهوب، كان سيرنا في طنجة عطاءً وكان حرمانْ، مثل خطاب حبٍّ منهمر ينزّ بعد طول كتمانْ.
المشتاق، إليكم، بإغداق.
أجدور عبد اللطيف