ليس كل تصويت داخل المؤسسات المنتخبة فعلاً ديمقراطياً. الديمقراطية ليست رفع أيدٍ في لحظة عابرة، ولا تلاوة أرقام فوق ورقة اقتراع؛ بل هي التزام ثقيل بالمصلحة العامة، وامتحان يومي لضمير من جلسوا باسم الشعب داخل قبة البرلمان. وعندما يتحول التصويت إلى أداة لحماية النفوذ والأوليغارشية بدل حماية المواطن، فنحن لا نتحدث عن اختلاف سياسي، بل عن انحراف في وظيفة التمثيل نفسها.
رفض تسقيف أسعار المحروقات، ورفض إعادة تشغيل “لا سامير”، ليس تفصيلاً تقنياً ولا اجتهاداً اقتصادياً كما يُراد تسويقه. إنه اصطفاف صريح بلا أقنعة: بين المواطن الذي يئن تحت وطأة الغلاء كل يوم، وبين منظومة أرباح تتغذى من هذا الغلاء نفسه. والنتيجة واضحة حدّ الفجاجة: اختاروا السوق ضد المجتمع، والاحتكار ضد القدرة الشرائية، والربح ضد السيادة الطاقية.
أي معنى لدولة تستورد طاقتها أن تُفرّط في أداة سيادية كانت قادرة على تخفيف التبعية وتقليص الكلفة؟ وأي منطق اقتصادي يقبل تحرير الأسعار دون سقف، وكأن السوق كائن مقدس لا يُمس، حتى لو التهم ما تبقى من جيوب الناس؟
المغاربة لم يعودوا بحاجة إلى خطابات طويلة. الأرقام تتكلم. الأسعار تتكلم. الفواتير تتكلم. وكل زيادة في المحروقات تُترجم تلقائياً إلى زيادة في كل شيء: النقل، الغذاء، وكل ما يتعلق بالحياة اليومية. ومع ذلك، حين تُطرح حلول جزئية، تُقابل بالرفض، وكأن المواطن مجرد تفصيل زائد في معادلة لا تعترف إلا بالأرباح.
واش مثل هاد الخلائق يخليك تمشي للصناديق وتصوّت؟
واش المواطن اللي كيشوف ممثليه كيصوتو ضد مصالحه وضد مصالح الوطن باقي يقدر يصدق أن صوته عندو قيمة؟
هنا تبدأ السياسة في فقدان معناها الحقيقي. لأن أخطر ما يحدث ليس ارتفاع الأسعار فقط، بل انهيار الثقة. وعندما تنهار الثقة، لا يعود العزوف عن الانتخابات موقفاً، بل نتيجة طبيعية لخيبة متراكمة.
لقد تحوّل المشهد إلى ما يشبه زواجاً غير شرعي بين النفوذ والثروة؛ زواج تُكتب عقوده في الخلف، وتُدفع كلفته في الأمام من جيوب المواطنين. أما السوق الحر، فقد صار في الخطاب الرسمي حرية للبعض، وفي الواقع عبئاً على الجميع.
غير أن المصيبة الكبرى ليست هنا فقط. المصيبة الكبرى والعظمى حين يمتد هذا الاصطفاف إلى ذاكرة نضالية وسياسية ثقيلة، إلى حزب ارتبط يوماً بوجوه من حجم المهدي بن بركة وعبد الرحيم بوعبيد؛ رموز لم تكن مجرد أسماء، بل كانت مشروعاً أخلاقياً كاملاً قوامه العدالة الاجتماعية والاصطفاف مع الفئات المقهورة من عامّة الشعب.
ولو أن بن بركة وبوعبيد أطلّ اليوم على هذا المشهد، لما وَلَّوْا مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئوا مِنْهُمْ رُعْبًا﴾؛ ليس رعب الأشخاص، بل رعب التحول. رعب أن ترى الاسم ذاته يُستعمل في الاتجاه المضاد للفكرة التي وُلد من أجلها.
كيف لبوعبيد، الذي جعل من العدالة الاجتماعية شرطاً لأي شرعية سياسية، أن يقبل بهذا الاصطفاف الذي يجهض أي حماية للفئات الهشة؟ وكيف لبن بركة، الذي دفع ثمن مواقفه حتى الغياب الأبدِ، أن يرى من يتحدثون باسمه يصطفون في الجهة التي تتضرر منها الأغلبية؟
المسألة هنا ليست خطأ في التقدير. إنها انزياح كامل بين الأصل والصورة، بين الفكرة وما تبقى منها، بين التاريخ وما يُمارس باسمه.
لقد صار هذا الاصطفاف وكأنه آخر قرطاسة أُطلقت على ما تبقى من الرصيد الرمزي لهذا الحزبي؛ ليست ضد الخصوم، بل ضد الذاكرة نفسها. لأن أخطر الطلقات ليست تلك التي تصيب الخارج، بل تلك التي تنفجر داخل الجسد السياسي ذاته.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة عارية: حين ينفصل التمثيل عن الناس، تتحول السياسة إلى إدارة باردة للمصالح. وعندها فقط يصبح السؤال الذي لا مفر منه: إذا كانت المؤسسات لا تحمي المواطن، فعمّن تدافع بالضبط؟