لم تأت أمريكا بجيشها الإمبراطوري إلى منطقة الشرق الأوسط وغرب آسيا من أجل أن تعقد طاولة مفاوضات. هذه الطاولة كانت منعقدة في جنيف يومين قبل أن ترامب بأسلوب “القمّار” بإطلاق النار عليها.
أمريكا جاءت لتنصب خيمة صفوان جديدة لو استطاعت إلى ذلك سبيلا. خيمة صفوان غصة في حلق كل حر حتى لو اختلف مع صدام. عندما جيء بوزير دفاعه في الصحراء وتحت حرارة حارقة وتم نزع سلاحه وترك حرسه في العراء، وأجلسوه أمام طاولة فراغة ليوقع صك استسلام.
أمريكا الآن في حاجة إلى صورة استسلام أكثر من أي وقت مضى. حركت كل إمكانياتها لفعل ذلك، لكن فهمت أن قواعد الاشتباك مختلفة. بل إنها تغيرت حتى في علاقاتها المسلحة مع إيران.
اليوم يقول ترامب: إن الاقتصاد العالمي لم يعد يتحمل الحرب. أمسكت إيران بخناقه. لم يصدق تهديدها. فبموازاة الاقتدار المسلح، وبموازاة إدراكها بأن الحرب ليست فقط قوة ولكن هندسة، اكتشفت عُقدا جديدة من خلال تدير الحرب.
كان مضطرا معها الأمريكي لتوقيع “ورقة التفاهم”، على أن يشرع البلدان خلال ستين يوما في تفصيلها. كان مفروضا البداية من اليوم الجمعة، لكن الوفد الإيراني ألغى سفره إلى سويسرا، بعدما أعلن دي فانس أمس أنه سيغادر إلى هذا البلد الأوروبي.
المعروف عن الأمريكي أنه لا يلتزم بأي وعد، عن كان ضامنا أو مضمونا. أليس هو من يضمن اتفاق وقف إطلاق النار في غزة ويترأس مجلس السلام ويطلق يد إسرائيل لقتل الفلسطينيين؟ أليس هو من يضمن إطلاق وقف إطلاق النار في لبنان مند 17 نونبر 2024، الذي لم تلتزم به إسرائيل يوما واحدا؟
لكن في هذا التفاهم هو بدوره مضمون من باب الندية التي فرضتها قواعد الحرب والمعادلات الجديدة. لكن هو لا يلتزم ولا يمكن للدول الضامنة إلزامه؟
ولكن المفاوض هذه المرة يعرف حدود الاختراقات الممكن أن تحدث في هذا الجدار. لهذا يبقى مهما الحديث عن ترتيب بنود “ورقة التفاهم” الأربعة عشر.
بعض المحللين ممن استمعت إليهم اعتبروها مجرد بنود دون ترتيب. وقال آخرون إن إيران لما ترى الأموال التي ستجنيها من وراء الاتفاق لن تعير اهتماما لترتيب البنود.
أول بند: “تعلن الولايات المتحدة الأميركية والجمهورية الإسلامية الإيرانية وحلفاؤهما في الحرب الدائرة، من خلال توقيع مذكرة التفاهم هذه، وقفًا فوريًا ودائمًا للعمليات العسكرية على جميع الجبهات، بما في ذلك في لبنان، وتتعهدان، من الآن فصاعدًا، بألا تبادرا إلى أي حرب أو عملية عسكرية ضد بعضهما بعضًا، وأن تمتنعَا عن التهديد باستخدام القوة أو استخدامها ضد بعضهما بعضًا، مع ضمان سلامة أراضي لبنان وسيادته. وسيؤكد الاتفاق النهائي الوقف الدائم للحرب على جميع الجبهات، بما في ذلك في لبنان، والأحكام الأخرى الواردة في هذه الفقرة.”
بغض النظر عن حقيقة الخلاف بين ترامب ونتنياهو حول “ورقة التفاهم” يبقى أن إيران تعرضت لاختبار صعب، يتعلق بترتيب الفقرات، حيث توجد فقرات أخرى فيها مغيرات بالحصول على أموال طائلة في ظل أزمة اقتصادية. لكن إيران اختارت “ذات الشوكة”، ألا وهي تنفيذ الفقرات واحدة بعد الأخرى.
ظلت الماكينة الإعلامية طوال سنوات تصنف الحزب على أنه دراع لإيران. فظهر أن الأمر بخلاف ذلك. الأدرع دائما تكون أدوات وظيفية لتحقيق المكاسب، فكيف بمن يسمح في المكاسب من أجل الحليف.
لم يعد هناك مجال للعب بالاتفاقات كما كان في السابق، تم توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في لبنان، ولم تلتزم به إسرائيل تحت مسوغات واهية رغم التزام الحزب بالكامل، وبشهادة الرئيس ورئيس الوزراء قبل الانقلاب، والشيء نفسه وقع في غزة، لكن هذه المرة الأوضاع تغيرت.
دون تنفيذ الفقرة الأولى ووقف العدوان والانسحاب لن يتم توقيع أي اتفاق نهائي ناهيك عن الشروع في المفاوضات. لم يبق أمام الولايات المتحدة الأمريكية سوى خيارات محدودة جدا. العودة للحرب. لو كانت الحرب مجدية ما خرجت منها. أو لجم إسرائيل رغم الضغط الكبير، أو عودة الحرب الثنائية بين إسرائيل وإيران، دون مشاركة مباشرة لأمريكا، وهذه فوق طاقة نتنياهو، الذي خاطبه دي فانس قائلا: إن ثلثي الدفاع عن إسرائيل قامت به أمريكا، ناهيك عن استعمال الجزء المهم من دفاعات الدول العربية لفائدة التصدي للهجمات ضد إسرائيل.
العودة للحرب تعني العودة للوضع الذي خرجت منه أمريكا. عدم الالتزام بفقرات الورقة قد يدفع إيران إلى إغلاق مضيق هرمز مرة أخرى وعودة التوتر العالمي من جديد.
الذي اختار هذا الترتيب وبهذا الشكل الدقيق أراد أن يقول: لا مجال للمناورة.