لم يكن المغاربة يحتاجون إلى كل هذه السنوات ليكتشفوا أن الساعة الإضافية عبء ثقيل على تفاصيل يومهم، ولا كانوا في حاجة إلى لجانٍ وتقاريرَ وخبراءَ حتى يدركوا ما كانوا يشعرون به في أجسادهم كل صباح شتوي قارس. وحدها الحكومة، فيما يبدو، كانت تحتاج إلى هذا الزمن السياسي كله كي تسمع ما كان يصدح به الشارع منذ سنوات.
وفجأة، وفي لحظة أقرب إلى اليقظة المتأخرة منها إلى حسن الإصغاء، أعلن عزيز أخنوش نهاية العمل بالساعة الإضافية، وكأن الرجل عثر للتو على ملف كان ضائعاً في دهاليز الإدارة، أو كأن صرخات المواطنين لم تكن تصل إلى مكتبه إلا بعد أن تمر عبر حسابات الانتخابات.
والحق أن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح ليس: لماذا ألغيت الساعة الإضافية؟ بل لماذا لم تُلغَ إلا الآن؟
أين كانت هذه الحكمة لرئيس الحكومة طوال السنوات الماضية؟ وأين كان هذا الإنصات الذي يتحدث عنه سيدي عبد العزيزرئيس الحكومة اليوم؟ وهل كان المغاربة يشتكون بلغة غير مفهومة؟ أم أن آلامهم لم تكن تستحق الالتفات إليها ما دامت لا تترجم إلى كلفة سياسية؟
هنا تبدأ الحكاية الحقيقية.
فعبد الإله بنكيران، الذي خرج قبل أيام يجعل من إلغاء الساعة الإضافية أحد عناوين حملة الانتخابية المبكرة، لم يكن يدافع عن قضية جديدة، بل كان يحاول استثمار جرح قديم ما زال مفتوحاً في الذاكرة الجماعية للمغاربة. لكن ما إن لوّح بالورقة حتى سارع أخنوش إلى سحبها من يده.
لم يُلغَ القرار لأن الحكومة اكتشفت فجأة معاناة المواطنين؛ فالمواطنون كانوا يعانون منذ سنوات. ولم يُلغَ لأن التقارير نزلت من السماء بوحي جديد؛ فكل شيء كان معروفاً ومحسوماً. وإنما أُلغي لأن الملف خرج من دائرة التذمر الاجتماعي ودخل دائرة التوظيف السياسي.
بمعنى أوضح: حين كان المواطن يحتج، لم يحدث شيء. وحين بدأ السياسي يوظف الاحتجاج، تحرك رئيس الحكومة.
تلك هي الخلاصة التي لا تستطيع البلاغات الرسمية إخفاءها مهما تزينت بعبارات الإنصات والتفاعل والتقييم.
أما بنكيران نفسه، فلا يخلو المشهد من مفارقة ساخرة تخصه هو الآخر. فالرجل الذي وعد المغاربة بإلغاء الساعة الإضافية إذا عاد إلى الحكومة، هو نفسه الذي لم يجعل منها معركة وجودية حين كان جالساً على كرسي رئاسة الحكومة. ولذلك يبدو اليوم كمن يبيع للناس دواءً لمرضٍ اكتشف فجأة أنه موجود بعدما غادر المستشفى.
لكن السخرية الأكبر ليست هنا.
السخرية أن بنكيران ربما أصبح مطالباً، خدمة للمصلحة العامة، برفع سقف وعوده أكثر.
فليعد المغاربة بتسقيف أسعار المحروقات التي تحولت إلى مضخة لا تتوقف عن شفط ما تبقى في الجيوب. ولْيعدهم بإعادة أسعار الخضر واللحوم إلى الأرض بعدما حلقت في فضاء لا تدركه إلا القدرة الشرائية للأثرياء. وليعدهم بكبح المضاربين الذين حولوا الأسواق إلى غابةٍ يأكل فيها القوي الضعيف، والغني الفقير.
فمن يدري؟
ربما يستيقظ سيدي أخنوش في صباح آخر ليعلن تسقيف المحروقات.
وربما يستيقظ في صباحٍ ثانٍ ليكتشف أن الأسعار مرتفعة.
وربما يستيقظ في صباحٍ ثالث ليكتشف أن القدرة الشرائية تحتضر.
وعندها سنكون أمام معادلة سياسية غير مسبوقة: بنكيران يتكفل بإنتاج الوعود، وأخنوش يتكفل بتنفيذها.
أما المواطن، ذلك الذي ظل سنوات يصرخ في وجه الساعة الإضافية، فلم يكن يحتاج لكل هذا العبث السياسي. كان يحتاج فقط إلى حكومة تسمعه قبل أن يتحول صوته إلى شعار انتخابي، وقبل أن يصبح ألمه ورقة في سوق المزايدات.
فالقرارات التي تأتي متأخرة لا تُثبت دائماً حسن النية، بل قد تكون أحياناً اعترافاً مؤجلاً بأن المواطن كان على حق منذ البداية، وأن الحكومة لم تكن تفتقد إلى المعطيات بقدر ما كانت تفتقد إلى الإرادة.