حسن نجمي يحل ضيفا كريما على النسخة الفرنسية لمجلة زمان بقبعة الباحث في فن العيطة (الجزء الأول)

أحمد رباص – تنوير
أجرت ونشرت النسخة الفرنسية لمجلة زمان حوارا مع حسن نجمي، الباحث المختص في فن العيطة، حوارا مستفيضا على أعمدة عدد ماي 2026. في الصفحة الأولى من هذا الحوار يطالعنا عنوان بالنبط العريض: “الشيخات واقع اجتماعي مغربي محض”. في ما يلي نعرض مضمون هذا الحوار بنوع من التلخيص وبقدر من التصرف عبر سلسلة من الحلقات.
عن السؤال الأول المتعلق بالفترة التاريخية التي برزت فيها ظاهرة الشيخات، قال حسن نجمي إن هناك وثائق شاهدة على أن العنصر النسوي مارس دائماً الغناء وتعابير أخرى مرتبطة بالصوت والجسد. من هذه المصادر، ذكر الباحث “كتاب الأغاني” لأبي فرج الأصفهاني الذي عاش في القرن العاشر الميلادي، ملمحا إلى أن مجتمعاتنا مارست الغناء قبل الإسلام، وأنه راسخ في تاريخنا وثقافتنا. وصول قبائل عربية من الشرق لم يؤد إلى اختفاء هذه الممارسة الفنية، بل جعل ألوانها تتعدد وتتنوع.
أوضح المتحدث أن غناء ورقص النساء في المغرب القديم كان لهما دور اجتماعي وثقافي مهم، وأن النظرة التقليدية التي تصور هذه الأنشطة كممنوعة أو منبوذة في فترات مثل العصر الموحدي غير دقيقة. كما ابرز كيف أن ظهور المال في نهاية القرن التاسع عشر أحدث تحولًا مهنيًا في هذه الأنشطة، مما أضاف بعدًا جديدًا لتاريخ الغناء والرقص النسائي في المغرب. كما كشف الغطاء عن تعقيد الصورة النمطية السائدة حول هذا الموضوع، مستحضرا مثال الخليفة يعقوب المنصور الذي، عندما ذهب للصلاة عند قبر جده عبد المؤمن في جبال الأطلس، شهد نساء يغنين ويعزفن على الدفوف.
هذا المشهد يتناقض مع النظرة التقليدية التي تصور المجتمع الموحدي كمجتمع صارم يمنع الغناء والرقص، ويقلص من مكانة المرأة. وخلال العصر المريني، كانت فرق السلطان تضم مغنيات شاركن في الغزوات، مما يدل على دور النساء في الحياة الاجتماعية والعسكرية. هذا التقليد استمر مع العلويين، خصوصًا مع السلطان الحسن الأول.
وأكد الباحث المختص في غناء العيطة أن غناء النساء ورقصهن كانا جزءًا لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي في المدن القديمة مثل لومان، وخاصة في المناطق القروية.
لم يكن الغناء والرقص مجرد ترفيه، بل كانا نشاطًا اجتماعيًا وثقافيًا متأصلًا.،ومع نهاية القرن التاسع عشر، بدأ الغناء والرقص يتحولان إلى مهنة قائمة بذاتها. وأصبح المال عاملاً جديدًا، حيث تحولت هذه الأنشطة من نشاطات عائلية وقبلية إلى نشاطات عامة ومهنية مربحة. وأدى هذا التحول إلى تغيير في طبيعة الغناء والرقص، من نشاطات تقليدية إلى صناعة ترفيهية.
لماذا نهاية القرن التاسع عشر بالتحديد؟ جوابا على هذا السؤال، قال ضيف مجلة “زمان” إن ذلك يرتبط بالتغلغل الأوروبي، الذي كان سببًا في سلسلة من التحولات الاجتماعية والاقتصادية. ظهرت فكرة رأس المال، وإن كانت بشكل محتشم في البداية، وبدأ المال يتداول. لم تعد المعاملات تتم فقط على شكل مقايضة. تم افتتاح المقاهي وظهرت فرص جديدة لأنشطة مرتبطة بالعمل، ولكن أيضًا بالترفيه. كما شهدنا موجات قوية من الهجرة من العالم القروي، خاصة نحو المدن الساحلية التي كانت في حالة نمو سريع آنذاك. في هذه الفترة، أخذت ظاهرة الشيخات بعدًا جديدًا. فقد وصلن إلى أماكن العروض، وقدمّوا عروضًا في المدن، ولم يعدن يقتصرن على بيئتهن الخاصة.
السؤال الثالث: لماذا تسمية هؤلاء النساء بـ”الشيخات”؟ أجاب عنه أبو ريم بقوله: في صيغة المذكر، مفهوم الشيخ ليس مرتبطًا فقط بالدين، ولا حتى بالعمر. الشيخ هو في المقام الأول شخص متزن، يمتلك معرفة، يتمتع بقيادة معينة ويحظى باحترام كبير. هذه القيادة هي التي جعلت هؤلاء النساء يُطلق عليهن اسم “الشيخات” لأنهن قائدات فرقهن الموسيقية؛ يغنين ويحددن الإيقاع. يسرقن كل الأضواء.
(يتبع)



