ثقافة و فن

حسن نجمي يحل ضيفا على النسخة الفرنسية لمجلة “زمان” بقبعة الباحث في فن العيطة (الجزء الخامس والأخير)

أحمد رباص ـ تنوير
عادت المجلة مرة أخرى إلى العصر الذهبي للشيخات، لتقول لضيفها إن الكثير من الباحثين يربطونه بظاهرة القواد الكبار، التي بلغت ذروتها بين أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، قبل أن تطرح عليه هذا السؤال: هل هناك علاقة بينهما؟
في بداية جوابه أقر حسن نجمي بقدر من الحقيقة في هذا القول. القواد الكبار الذين كانوا يُطلق عليهم أيضًا “أمراء الأطلس”، كانوا يهيمنون على المغرب في تلك الحقبة. لقد مارسوا إلى حد كبير تقليدًا يعيد إنتاج عادات السلاطين. أشخاص مثل الگندافي، الگلاوي، العيدي وعيسى بن عمر كان لهم، على غرار السلطان الحسن الأول، قاموا بدور راعي الفنون. يجب التذكير بأنه في ذلك الوقت لم تكن هناك صحافة. لذا، كان المغني والشعر الشفهي وسيلة قوية للتواصل وتلقي المعلومات. كان على القواد الكبار السيطرة عليها واستخدامها لصالحهم. لهذا السبب كانوا يكرمون بالهدايا والمزايا أولئك الذين يمتدحونهم. وعلى العكس، عندما كان مغني أو مغنية ينتقدونهم بشدة، كانت انتقامهم قاسيًا جدًا وقد يمتد حتى إلى قبيلتهم. لذا، كان الغناء سلاحًا ذا حدين. كان رأس مال رمزيا يمكن أن يرفع أو يخفض مكانة البعض. وكان هذا ينطبق على العيطة والغناء الشعبي بشكل عام. استفحلت هذه الظاهرة بشكل كبير في عهد الحسن الأول (1873-1894). خلال 21 سنة من حكمه، قام بـ10 حركات عسكرية، وهو رقم قياسي بلا شك. في كل من هذه الحملات، التي كانت تتطلب عدة أشهر من التحضير، كان يصطحب حكواتيين (رواة القصص)، شسخات، مغنيي الملحون، العيطة، وغيرهم. كان لديه تفضيل خاص للشيخة الشهيرة بتونية المراكشية، التي كان يكرمها بالهدايا والمجوهرات. عندما توفيت هذه الشيخة فجأة على المسرح خلال حفل زفاف، استفسر السلطان صراحة العدول في الحوز: “أين ذهب ذهبها، مجوهراتها، ساعاتها، وكل حليها؟”
في هذا السياق، ذكر حسن نجمي أنه اطلع على هذه الرسائل والمراسلات التي ما تزال موجودة ومصنفة في المكتبة الحسنية بالقصر الملكي. لم يكن الأمر يتعلق بـ “التتريك”، بل كان السلطان يرغب فقط في استرداد ممتلكات الشيخة وتحويلها إلى الصندوق الذي كان يسمى “أبو المواريث” (مؤسسة تدير وتعيد توزيع الميراث). كانت، مع مراعاة التناسب تعادل صندوق الإيداع والتدبير كما عندنا اليوم.
تبعا لما سبق، تساءلت المجلة عن المانع من وضع إرث الشيخة رهن إشارة أقاربها. أجاب ابو ريم: لأنها لم يكن لديها وريث، ببساطة. كثير من الشيخات كن في نفس الوضع. بما أنه لم يكن لديهن أطفال، كن يتبنين أحيانًا أطفال من صلب الآخرين. وعند وفاتهن، تعود ممتلكاتهن إلى قبيلتهن، عندما لا تُمنح إلى أبو المواريث.
طرحت الجريدة على ضيفها سؤالا آخر صيغ كما يلي: أعقبت وفاة السلطان الحسن الأول فترة من السيبة، التي ترتبط إلى حد ما بصورة الشيخات. ما هو الوضع الحقيقي؟
يجب تعديل الصورة وإعادة الأمور إلى سياقها. عند وفاة السلطان، بالفعل، حدثت موجة من التمرد. بين الصراع على السلطة، التغلغل الفرنسي، وسوء الحصاد، قامت بعض القبائل بالثورة ضد القايد. مثل أولاد زيد في منطقة آسفي، حيث كانت الشيخة الشهيرة، التي كانت بمثابة المتحدثة الرسمية تقريبا باسم قبيلتها، قد تصدت شخصيًا للقايد عيسى بن عمر. حادة الزيدية، المعروفة بخربوشة، دفعت الثمن غاليًا إذ قُبِض عليها وحُبِسَت حية داخل الجدران حتى الموت. لكن قصيدتها الشهيرة الاستجوابية (حاجتي فقريني) بقيت حية.
لكن حسن نجمي ينبه إلى أنه لا يجب أن نخطئ الفهم. الشيخات والفنانون عمومًا بحاجة إلى الاستقرار والسلام، حتى يتمكنوا من الأداء في الأماكن العامة وكسب رزقهم. هم مرتبطون بالقبيلة، يمكنهم التنقل والسفر للأداء خارج بيئتهم، لكنهم يعودون دائمًا إلى قبيلتهم الأصلية. والسيبة لم تكن حالة دائمة، بل كانت ظرفية ومؤقتة.
السؤال الأخير: هناك تناقض في الآراء حول تأثير الحماية الفرنسية على صورة ومكانة الشيخات. هل خدمتهن أم أضرت بهن؟
يجب إزالة الشك: الحماية كانت تحمل الكثير من الاحتقار للشيخات. أحيانًا كانت تحاربهّن. العديد من الأرشيفات والوثائق الإدارية تثبت ذلك. للتنقل من أجل ممارسة أنشطتهن المهنية، كان على الشيخات الحصول على إذن خاص من الإدارة، وأحيانا يقابل طلبهن بالرفض. كان يُعتقد أن أغانيهن تحرض السكان على التمرد. الأغاني التي تمجد الحرب والغزو، مثل تلك المتعلقة بغزوات النبي، كانت ممنوعة أو تُحذف منها المقاطع الأكثر حماسة. كان عملاء الحماية يحتفظون بقائمة بهذه الأغاني المحظورة، والتي كانت تُغنى سرًا. المداحات (المتخصصات في الغناء الديني) كن مكروهات جدًا. بالإضافة إلى ذلك، بعض أغاني الشيخات احتوت على معلومات أو تعليقات مرتبطة بالأحداث الجارية. لذلك كانت تخضع للرقابة أو المتابعة الدقيقة. هذه كانت أيضًا حقيقة الحماية.
(انتهى)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى