افتتاحية
الحكومة تدفع بقانون المحاماة نحو التصعيد.. والمحامون يردّون بالرفض والاعتصام أمام البرلمان- الحنبلي عزيز

الحنبلي عزيز -تنوير-متابعة
يواصل مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة إثارة جدل واسع داخل الساحة القانونية والحقوقية والسياسية بالمغرب، بعدما تحول من نص تنظيمي تقول الحكومة إنه يروم تحديث المهنة وتعزيز الشفافية، إلى عنوان لمواجهة مفتوحة مع المحامين وهيئاتهم المهنية، الذين يرون فيه مساسا خطيرا باستقلالية الدفاع ومحاولة لفرض وصاية تشريعية وإدارية على مهنة ظلت تاريخيا إحدى ركائز المحاكمة العادلة.
ويأتي هذا الجدل في سياق تشريعي حساس، بعد إحالة المشروع من مجلس المستشارين في إطار قراءة ثانية، حيث شمل النص 34 مادة مع إضافة مادة جديدة، قبل أن تتم المصادقة عليه بأغلبية 17 صوتا مقابل 5 معارضين ودون أي امتناع، وفق المعطيات التقنية الواردة في التقرير البرلماني المتعلق بالمشروع.
غير أن النقاش الدائر حول المشروع لم يعد محصورا في تفاصيل تقنية أو مواد قانونية متفرقة، بل اتخذ بعدا أوسع يرتبط بموقع المحاماة داخل منظومة العدالة، وبحدود تدخل السلطة التنفيذية في شؤون مهنة حرة ومستقلة، وبالضمانات التي ينبغي أن تتوفر للمواطنين عند اللجوء إلى القضاء.
قانون مثير للجدل
تقدم الحكومة مشروع القانون 66.23 باعتباره خطوة لإعادة تنظيم مهنة المحاماة وتحديث قواعد الولوج إليها وممارستها، وضبط الجوانب المرتبطة بالتكوين، والتأديب، وحكامة الهيئات، وحسابات الودائع والأداءات. غير أن فئات واسعة من المحامين تعتبر أن النص، بصيغته الحالية، يتجاوز منطق الإصلاح المهني إلى منطق التحكم في المهنة وتقليص استقلاليتها.
ويؤكد رافضو المشروع أن المحاماة ليست مجرد مهنة خدماتية أو قطاعا إداريا قابلا للضبط بمنطق الوصاية، بل هي مكون أساسي من مكونات العدالة، وضمانة من ضمانات المحاكمة العادلة، ووسيلة لحماية الحقوق والحريات. لذلك، فإن أي تغيير جوهري في تنظيمها يجب أن يتم، في نظرهم، عبر حوار مؤسساتي واسع مع الهيئات المهنية، لا عبر تمرير نص تشريعي يثير اعتراضات واسعة داخل الجسم المهني.
ومن بين أبرز نقاط الخلاف، شروط الولوج إلى المهنة، ومسألة السن الأقصى لاجتياز مباراة المحاماة، ودور وزارة العدل في التكوين والتأطير، وصلاحيات النيابة العامة في المجال التأديبي، ومقتضيات تفتيش مكاتب المحامين، فضلا عن إخضاع حساب الودائع والأداءات لرقابة المجلس الأعلى للحسابات.
الولوج إلى المهنة بين التنظيم والإقصاء
من القضايا التي أثارت جدلا واسعا داخل المشروع مسألة الولوج إلى مهنة المحاماة. فقد تضمن النص تعديلات تهم السن الأقصى لاجتياز المباراة والشهادات المقبولة، حيث تم الإبقاء على حد أقصى لا يتجاوز 45 سنة، بدل 50 سنة التي سبق أن اقترحت في إحدى مراحل المسار التشريعي. كما تم توسيع دائرة بعض الشهادات المقبولة، وفق شروط محددة، لتشمل مسارات جامعية معينة.
ويرى منتقدو المشروع أن تضييق شروط الولوج قد يساهم في الحد من عدد المحامين مستقبلا، خاصة في ظل الحاجة إلى توسيع العرض القانوني والقضائي وتقريب خدمات الدفاع من المواطنين، لا سيما الفئات الهشة والبعيدة عن المراكز الحضرية الكبرى.
في المقابل، يعتبر المدافعون عن المشروع أن تنظيم الولوج إلى المهنة وتحديد شروط أكثر وضوحا من شأنه أن يرفع من جودة التكوين والممارسة، ويضمن تأهيل المحامين الجدد بشكل أفضل. لكن الخلاف الحقيقي لا يكمن فقط في مبدأ التنظيم، بل في طبيعته وحدوده، وما إذا كان يهدف إلى تحسين جودة المهنة أم إلى تقليص فضاء الولوج إليها.
حساب الودائع.. النقطة الأكثر حساسية
تعد مسألة حساب ودائع وأداءات المحامين من أكثر المقتضيات حساسية في المشروع. فالنص يتجه إلى إخضاع هذا الحساب لرقابة المجلس الأعلى للحسابات، بهدف التحقق من قانونية وسلامة العمليات المالية والمحاسباتية المرتبطة به، وفق ما ورد في التقرير البرلماني.
وتدافع الحكومة عن هذا المقتضى باعتباره آلية وقائية لحماية أموال المواطنين والمتقاضين، وضمان شفافية عمليات الإيداع والسحب والتحويل. غير أن عددا من المحامين يعتبرون أن الأمر يتعلق بتوسيع غير مبرر لنطاق الرقابة الخارجية على مهنة مستقلة، خاصة أن الأموال المودعة ليست أموالا عمومية، بل تعود إلى أصحابها من موكلين ومستفيدين.
ويعتبر الرافضون لهذا المقتضى أن حماية أموال المتقاضين هدف مشروع، لكن تحقيقه يجب أن يتم عبر آليات مهنية وقضائية واضحة تحترم استقلالية الهيئات، لا عبر إقحام مؤسسات رقابية في تدبير داخلي لمهنة حرة. كما يرون أن هذا التوجه قد يفتح الباب أمام مزيد من التدخل في الشؤون المالية والتنظيمية للهيئات المهنية.
التأديب وتفتيش المكاتب.. مخاوف على السر المهني
من بين المقتضيات التي أثارت غضب المحامين أيضا تلك المرتبطة بالتأديب وتفتيش مكاتب المحامين. فهذه النقاط تمس، في نظرهم، جوهر العلاقة بين المحامي وموكله، خصوصا من حيث السر المهني وحرية التواصل وسرية الوثائق والملفات.
ويرى المحامون الرافضون للمشروع أن توسيع صلاحيات النيابة العامة أو الإدارة في المجال التأديبي يمكن أن يخل بالتوازن الضروري بين المراقبة والمساءلة من جهة، واستقلالية الدفاع من جهة أخرى. فالمحامي، بحكم دوره، قد يكون في مواجهة مباشرة مع الإدارة أو النيابة العامة أو سلطات الضبط، ولذلك فإن إخضاعه لمنظومة تأديبية تتداخل فيها هذه الجهات قد يطرح إشكالا حقيقيا حول حياد المسطرة وضمانات الدفاع.
أما تفتيش مكاتب المحامين، فيعتبره المعارضون للمشروع من أخطر النقاط، لأنه قد يمس بسرية الملفات وبالثقة التي يضعها الموكل في محاميه. فالمكتب، بالنسبة للمحامي، ليس مجرد فضاء للعمل، بل هو مكان لحفظ أسرار الدفاع، ووثائق المواطنين، وملفات القضايا، والمعطيات الشخصية والحساسة.
حكامة الهيئات المهنية
يتضمن المشروع كذلك مقتضيات تتعلق بحكامة هيئات المحامين، من بينها مدة انتداب أعضاء مجالس الهيئات، وشروط الترشح، وتركيبة المجالس حسب عدد المحامين. ويشير التقرير إلى الإبقاء على مدة الانتداب في ثلاث سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة فقط، مع منع من قضى ولايتين، متتاليتين أو منفصلتين، من الترشح مجددا، بما يروم تعزيز التداول داخل الأجهزة المهنية.
كما يتضمن النص ترتيبات تحدد عدد أعضاء مجلس الهيئة حسب حجم كل هيئة، بما يراعي الفوارق بين الهيئات الصغيرة والمتوسطة والكبيرة. غير أن هذه المقتضيات، رغم طابعها التنظيمي، لا تنفصل عن النقاش العام حول استقلالية الهيئات وقدرتها على تدبير شؤونها الداخلية دون تدخل خارجي.
ويرى عدد من المحامين أن إصلاح حكامة الهيئات أمر ضروري، لكن يجب أن يتم من داخل المهنة وبمشاركة فعلية لأصحابها، لأن التنظيم الذاتي يعد من أهم ضمانات استقلال المهن القانونية الحرة.
رفض واسع داخل صفوف المحامين
في مقابل القراءة الحكومية التي تعتبر المشروع خطوة نحو التحديث، أعلن المحامون عبر هيئاتهم المهنية رفضهم لعدد من مقتضيات النص، معتبرين أنها تشكل تراجعا عن المكتسبات التاريخية لمهنة الدفاع. ويرى هؤلاء أن المشروع لا يستجيب لمطالب المهنة، ولا يعكس روح المقاربة التشاركية، بل يسعى إلى إعادة صياغة العلاقة بين المحاماة والدولة على قاعدة الرقابة والوصاية.
وقد عبرت هيئات المحامين عن رفضها للمشروع من خلال بيانات ومواقف وتصعيد ميداني، معتبرة أن القانون لا يمس المحامين وحدهم، بل يمس كل مواطن يحتاج إلى دفاع مستقل أمام القضاء. فاستقلال المحامي، حسب هذا التصور، ليس امتيازا مهنيا، بل ضمانة للمجتمع، لأن المحامي المستقل هو الذي يستطيع الدفاع عن المتقاضي دون خوف من ضغط أو متابعة أو تهديد مهني.
ويؤكد المحامون أن المشروع، بصيغته الحالية، يهدد التوازن بين أطراف منظومة العدالة، ويضعف دور الدفاع، ويفتح الباب أمام تدخلات قد تؤثر على ممارسة المحامي لمهامه بحرية، خصوصا في القضايا ذات الطابع الحقوقي أو السياسي أو الاجتماعي.
اعتصامات أمام البرلمان ورسائل احتجاج قوية
وتزامنا مع المسار التشريعي للمشروع، اتجه المحامون إلى التصعيد من خلال تنظيم وقفات واعتصامات أمام البرلمان، في خطوة رمزية تحمل أكثر من دلالة. فالاحتجاج أمام المؤسسة التشريعية يعكس رغبة أصحاب البذلة السوداء في توجيه رسالة مباشرة إلى النواب والمستشارين مفادها أن الأمر لا يتعلق بتعديل قانون عادي، بل بإعادة رسم موقع الدفاع داخل دولة القانون.
هذه الاعتصامات جاءت للتعبير عن رفض ما يعتبره المحامون تمريرا لقانون يمس جوهر مهنتهم، وللمطالبة بوقف المسار الحالي وفتح حوار حقيقي مع الهيئات المهنية. كما تحولت الوقفات أمام البرلمان إلى فضاء للتعبير عن غضب مهني واسع، رفعت خلاله شعارات تؤكد رفض الوصاية على المحاماة، والتمسك باستقلالية الدفاع، ورفض أي مقتضى قد يضعف حصانة المحامي أثناء ممارسة مهامه.
ويعتبر المحتجون أن البرلمان مطالب بتحمل مسؤوليته السياسية والتاريخية، ليس فقط عبر التصويت على النصوص، بل عبر ضمان احترام روح الدستور ومبادئ المحاكمة العادلة واستقلال المهن القضائية والقانونية. فالأغلبية العددية، في نظرهم، لا تكفي لإنتاج قانون يحظى بالشرعية المهنية والحقوقية إذا كان يواجه رفضا واسعا من المعنيين المباشرين به.
بين تحديث المهنة وحماية استقلالها
لا يختلف أغلب المتتبعين على أن مهنة المحاماة تحتاج إلى إصلاح وتحديث، سواء من حيث التكوين، أو الرقمنة، أو الشفافية، أو الحكامة، أو جودة الخدمات القانونية. لكن الخلاف يتمحور حول طريقة الإصلاح وطبيعته وحدوده.
فالحكومة ترى أن مشروع القانون يضع قواعد أكثر وضوحا للمهنة، ويقوي آليات المراقبة، ويحمي أموال المتقاضين، ويعزز مسؤولية المحامي. أما المحامون الرافضون فيرون أن الإصلاح الحقيقي لا يجب أن يتحول إلى أداة لتقييد المهنة أو إخضاعها، بل يجب أن يحافظ على استقلاليتها ويعزز دورها داخل منظومة العدالة.
ويكمن التحدي الأساسي في إيجاد توازن بين الشفافية والاستقلالية، وبين المحاسبة والتنظيم الذاتي، وبين حماية المتقاضين وضمان حرية الدفاع. فالمحاماة، بحكم طبيعتها، لا يمكن أن تمارس دورها كاملا إذا أصبحت خاضعة لمنطق إداري صارم أو لرقابة قد تؤثر على جرأة المحامي في الدفاع عن موكليه.
مشروع قانون يتجاوز حدود المهنة
رغم أن المشروع يحمل عنوان تنظيم مهنة المحاماة، فإن آثاره المحتملة تتجاوز المحامين أنفسهم. فكل مقتضى يمس استقلال المحامي يمكن أن ينعكس على المواطن، وعلى المتقاضي، وعلى ضحايا الانتهاكات، وعلى الفئات الهشة، وعلى كل من يحتاج إلى دفاع قوي أمام القضاء.
لذلك، فإن الجدل حول المشروع ليس صراعا مهنيا ضيقا، بل نقاش حول طبيعة العدالة التي يريدها المغرب: عدالة يكون فيها الدفاع مستقلا وقادرا على مواجهة السلطة والخطأ والتعسف، أم عدالة يتم فيها تقليص مساحة الدفاع باسم التنظيم والرقابة.
كما أن المشروع يطرح أسئلة أوسع حول علاقة الدولة بالمهن الحرة، وحدود التدخل التشريعي في التنظيم الذاتي، ومدى احترام المقاربة التشاركية في إعداد القوانين التي تمس حقوقا أساسية.




