حظيت ممثلتنا الرائعة راوية، ليلة الجمعة 10 يوليوز الجاري، في حفل افتتاح الدورة 14 لمهرجان شفشاون الدولي للسينما، بتكريم استثنائي على مجمل أعمالها السينمائية والتلفزيونية والمسرحية. وقد حضر لحظة هذا التكريم بمسرح القصبة الأثري ثلة من السينمائيين الإسبان والمغاربة وغيرهم، من بينهم بالخصوص المخرج عز العرب العلوي، الذي سبق لهذه الممثلة الفريدة من نوعها أن اشتغلت معه في جل أعماله السينمائية، والمخرج الشاب مولاي الطيب بوحنانة الذي شاركت معه مؤخرا في أول أعماله السينمائية الروائية الطويلة.
تعتبر فاطمة هرندي، المشهورة بلقب “راوية”، إحدى الممثلات المغربيات القديرات، حيث أظهرت جانبا من إمكانياتها الهائلة في التشخيص وتقمص الأدوار المركبة المختلفة في المسرح والسينما والتلفزيون، يشهد على ذلك حضورها المكثف مؤخرا في الدراما والكوميديا التلفزيونيتين (مسلسلات “قفطان خديجة” و”جرح قديم” و”2 وجوه” و”من فم السبع”… وفيلمي”مامات” و”مي والباك”…) وفي العديد من الأفلام السينمائية نذكر منها العناوين الجديدة التالية: “السمطة كادور”، “أتومان”، “صحاري.. سلم وسعى”…
يذكر أن هذه الممثلة المزدادة يوم 23 مارس 1951 بأزمور (قرب الجديدة)، حيث عاشت طفولتها، قد خطت أولى خطواتها على درب التشخيص في المسرح الهاوي ثم المحترف مع فرق المنصور (فازت معها في المهرجان الوطني لمسرح الهواة بجائزة أفضل ممثلة عن دورها في مسرحية “الفاشلون”) والقناع الصغير والمعمورة بالرباط ابتداء من أواخر الستينات وبداية السبعينات من القرن الماضي.
فمنذ السن 13 أظهرت ميلا ملحوظا لفن التشخيص ولم تكتشف المسرح إلا وهي تلميذة بثانوية شوقي بالدار البيضاء، التي لعبت على مسرحها لأول مرة تحت إشراف الفنان الراحل مصطفى التومي، بعد ذلك دفعها عشقها لأب الفنون إلى الاستفادة من تدريب وطني نظمته وزارة الشبيبة والرياضة آنذاك اطلعت من خلاله على أهم المهن المسرحية بما في ذلك الإنارة والسينوغرافيا ونهلت من خبرة أساتذة كبار من عيار الطيبين الصديقي ولعلج وغيرهما.
بعد ذلك قادها تعلقها بالمسرح إلى الانفتاح على فرقه التي كانت تعيش عصرها الذهبي في السبعينات من القرن الماضي، ومن مسرحية لأخرى بدأت فاطمة تطور تشخيصها وتتمكن من أدوات التعبير الجسدي، إلا أن سنة 1980 شكلت لحظة اختيار صعب اضطرت فيها راوية إلى ترك المسرح جانبا وقبول وظيفة في قطاع الصحة العمومية نظرا لكون ممارسة الفن بالمغرب لم تكن توفر للممثل أو الممثلة حياة كريمة.
لم تشكل الوظيفة عائقا أمام فاطمة هرندي بل ساعدها مدخولها الشهري على دراسة الموسيقى، عشقها الثاني بعد المسرح، حيث تعلمت السولفيج والعزف على بعض الآلات (العود بشكل خاص) وتمكنت من تلبية حاجيات أسرتها والمشاركة من حين لآخر في بعض الأعمال الفنية.
لم تعد راوية إلى عوالم التشخيص تدريجيا إلا سنة 1997 لتتقمص أول دور لها في السينما في فيلم “كنوز الأطلس”، الذي
استطاع مخرجه محمد العبازي أن يظهر من خلاله قوة نظراتها وحضورها على الشاشة، وشيئا فشيئا استأنست بعوالم الفن السابع وأصبحت تعرف بالضبط أين توجد الكاميرا أثناء التصوير وتتخيل حركاتها.
ابتداء من سنة 2005 استفادت راوية من تقاعد نسبي عبر المغادرة الطوعية من الوظيفة العمومية، الشيء الذي مكنها من العودة مجددا وبشكل قوي إلى خشبات المسرح وشاشتي السينما والتلفزيون لتمارس عشقها الصوفي للتشخيص بدون إكراهات إدارية.
تتميز الممثلة راوية بتمكنها من أدوات التعبير وقدرتها على التحكم في صوتها ونظراتها وقسمات وجهها وحركات جسدها، كما تتميز بثقتها في نفسها وقدراتها. زد على ذلك عشقها الصوفي لعملها كممثلة وانخراطها فيه بكل جوارحها، ولعل هذا كله هو الذي يعطي لتشخيصها قوة ملحوظة ويجعلها تحس بأدوارها وتبدع من خلال هذا الإحساس. يقول عنها المخرج نور الدين لخماري: “راوية تثير إعجابك في بلاتو التصوير، فهي ليست في حاجة إلى الإعادة، يكفي أن تقرأ السيناريو لتتملك الدور إلى درجة لا تكتفي فيها بالانصياع إلى رؤية المخرج بل تذهب بعيدا وتقترح عليه بعض الاقتراحات التي غالبا ما تكون في صالح الفيلم من خلال الدور الذي تلعبه”.
حظيت فاطمة هرندي في السنوات الأخيرة بتكريمات مستحقة في مختلف المهرجانات السينمائية المنظمة ببلادنا.. هنيئا لها بهذا التكريم الجديد بمدينة شفشاون الجميلة.
من شفشاون: أحمد سيجلماسي