افتتاحية

حين تُلغى صفة المدني: اللغة التي تعيد تعريف ضحايا غزة

 الحنبلي عزيز -تنوير 

لم تعد الحرب في غزة تُخاض بالقنابل والأسلحة وحدها، بل أصبحت اللغة بدورها جزءاً من المعركة. فعندما يُصنَّف عشرات الآلاف من القتلى باعتبارهم «إرهابيين»، تتراجع الفوارق بين المدني والمقاتل، ويتحول الأطفال والنساء والمسنون إلى مجرد أرقام داخل خطاب عسكري يبرر حجم الدمار والخسائر البشرية.

هذا ما يناقشه الصحفي السويسري إغناتس شتاوب في مقال نشره موقع «جورنال 21» بتاريخ 20 يوليوز 2026، تحت عنوان: «عندما تكون قد قتلت أكثر من 70 ألف إرهابي». واستند الكاتب إلى تصريح لنائب رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، تمير يدعي، اعتبر فيه أن السيطرة على 65 في المائة من قطاع غزة وقتل أكثر من 70 ألف «إرهابي» يمثلان دليلاً على تحقيق الانتصار.

غير أن شتاوب يضع هذا التصنيف موضع مساءلة، متوقفاً عند طبيعة الضحايا الذين أدرجهم هذا الخطاب ضمن خانة «الإرهابيين». وبحسب الأرقام التي أوردها المقال، تشمل الحصيلة نحو 21 ألف طفل، وأكثر من عشرة آلاف امرأة دون سن الستين، وما يفوق خمسة آلاف مسن، إلى جانب أكثر من ألف رضيع لم يبلغوا عامهم الأول.

ويطرح الكاتب، من خلال هذه الأرقام، سؤالاً يتجاوز الجدل العسكري والسياسي: هل يمكن وصف رضيع أو طفل أو امرأة مسنة بالإرهاب لمجرد أنه قُتل في منطقة حرب؟ ويرى أن استعمال هذا النوع من المصطلحات لا يصف الواقع فقط، بل يعيد تشكيله بطريقة تنزع عن الضحايا صفتهم الإنسانية وتحجب حقيقة وجود مدنيين بينهم.

ويزداد هذا التناقض وضوحاً عندما يُستحضر وصف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو للجيش الإسرائيلي بأنه «الأكثر أخلاقية في العالم». فبحسب مقال «جورنال 21»، لم يقدم الجيش توضيحاً مباشراً بشأن التصريح المنسوب إلى نائب رئيس الأركان، مكتفياً بالإشارة إلى استمرار عملية التحقق من الأعداد الدقيقة للقتلى.

كما يشير شتاوب إلى مفارقة أخرى في الخطاب الأمني الإسرائيلي؛ ففي الوقت الذي يُدرج فيه قتلى غزة بصورة جماعية ضمن خانة الإرهاب، يجري التعامل مع مستوطنين مسلحين في الضفة الغربية باعتبارهم شركاء في حماية الأمن، رغم اتهام مجموعات استيطانية بالضلوع في اعتداءات متكررة ضد الفلسطينيين.

نزع الإنسانية يسبق العنف

ولا تنفصل هذه اللغة عن سياق تاريخي أوسع. ففي حوار نشرته صحيفة «لوتون» السويسرية يوم 17 يوليوز 2026، يرى المؤرخ الإسرائيلي الأميركي أومر بارتوف، المتخصص في الهولوكوست ودراسات الإبادة الجماعية، أن ما يصفه بالإبادة في غزة لم يظهر بصورة مفاجئة، بل سبقته عقود من نزع الإنسانية عن الفلسطينيين وتحويلهم في المخيال العام إلى تهديد دائم.

ويعود بارتوف إلى سنة 1948، حين تزامن تأسيس دولة إسرائيل مع النكبة وتهجير أعداد كبيرة من الفلسطينيين. ويرى أن استمرار الاحتلال، وغياب تسوية سياسية عادلة، وترسيخ صورة الفلسطيني باعتباره خطراً وجودياً، ساهمت جميعها في توفير بيئة تقبل مستويات متصاعدة من العنف.

ويؤكد المؤرخ أن الهجوم الذي نفذته حركة حماس في السابع من أكتوبر 2023 لا يبرر قتل المدنيين أو إخضاع مجتمع كامل للعقاب الجماعي. كما يرى أن الدعم الأميركي ومواقف عدد من الحكومات الأوروبية وفرا لإسرائيل، بحسب تحليله، مساحة واسعة للتحرك دون مساءلة دولية فعالة.

ويكشف المقالان أن أخطر ما تفعله الحروب ليس تدمير المباني والبنيات التحتية فقط، بل تغيير نظرة المجتمعات إلى الضحايا. فعندما تفقد الكلمات معناها، ويصبح جميع القتلى «إرهابيين»، تختفي صفة المدني، ويتحول الموت إلى حدث يمكن تبريره بسهولة.

إن استعادة الفارق بين المقاتل والمدني ليست مجرد مسألة لغوية، بل هي أساس في القانون الدولي الإنساني وشرط لحماية الإنسان خلال النزاعات. لذلك، فإن مساءلة المصطلحات المستخدمة في وصف قتلى غزة تظل ضرورية، لأن اللغة التي تنزع الإنسانية عن الضحية قد تصبح الخطوة الأولى نحو قبول قتلها.

 

المصادر: مقال إغناتس شتاوب «عندما تكون قد قتلت أكثر من 70 ألف إرهابي»، المنشور في موقع «جورنال 21» بتاريخ 20 يوليوز 2026؛ وحوار صحيفة «لوتون» مع المؤرخ أومر بارتوف، المنشور بتاريخ 17 يوليوز 2026.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى