افتتاحية

الحنبلي عزيز يكتب : مغاربة بدون أضحية عشية العيد.. “مجزرة الأسعار” تفضح وعود الحكومة وتعيد الشناقة إلى واجهة السوق

الحنبلي عزيز -متابعة 

للسنة الثانية على التوالي، يجد عدد واسع من المغاربة أنفسهم أمام واقع اجتماعي صعب عشية عيد الأضحى، بعدما تحولت الأضحية، التي كانت إلى وقت قريب رمزا للفرح والتضامن العائلي، إلى عبء مالي ثقيل على أسر كثيرة لم تعد قادرة على مجاراة الأسعار الملتهبة التي تعرفها الأسواق.

فبين الوعود الحكومية بضبط العرض، والتطمينات المتكررة حول وفرة القطيع، وبين الواقع الذي يعيشه المواطنون داخل الأسواق والأحياء الشعبية، تظهر فجوة كبيرة تطرح أسئلة حارقة حول نجاعة التدبير الحكومي لهذا الملف، وحول حقيقة الأرقام الرسمية المتعلقة بالقطيع الوطني، ودور الوسطاء والمضاربين، أو ما يعرف بـ“الشناقة”، في التحكم في أسعار الأضاحي.

أضحية العيد تتحول إلى حلم بعيد

قبل أيام قليلة من حلول عيد الأضحى، لم تعد مشاهد البحث عن الأضحية داخل الأحياء الشعبية والأسواق الأسبوعية كما كانت في السابق. كثير من الأسر دخلت السوق ثم خرجت منه خالية اليدين، بعدما اصطدمت بأسعار تفوق قدرتها الشرائية بكثير، في وقت تشهد فيه المواد الأساسية أصلا ارتفاعات متتالية أثقلت كاهل المواطنين.

عدد من الأسر كانت تراهن على الأيام الأخيرة قبل العيد، أملا في تراجع الأسعار، غير أن العكس هو الذي وقع في كثير من الأسواق، حيث استمرت الأسعار في الارتفاع أو حافظت على مستوياتها المرتفعة، وسط حديث متزايد عن تحكم الوسطاء في مسالك البيع، وغياب مراقبة صارمة للأسواق، خصوصا في النقط التي تشهد إقبالا كبيرا من المواطنين.

ولم يعد النقاش مقتصرا على ثمن الأضحية فقط، بل امتد إلى سؤال أعمق: كيف يمكن لعيد اجتماعي وديني كبير أن يتحول إلى مصدر قلق وإحباط لفئات واسعة من المغاربة، في ظل غياب حلول عملية قادرة على حماية القدرة الشرائية وضمان توازن السوق؟

الحكومة في قفص الاتهام بسبب أرقام القطيع

أكثر ما أثار الجدل هذا العام هو تضارب الخطاب الرسمي مع واقع الأسواق. فالحكومة سبق أن تحدثت عن وفرة القطيع واتخاذ إجراءات لضمان تزويد السوق بالأضاحي، غير أن الأسعار التي وجدها المواطنون على أرض الواقع جعلت هذه التصريحات محل تشكيك واسع.

وتتهم أصوات نقابية وسياسية ومدنية الحكومة بتوريط الدولة، للسنة الثانية على التوالي، في إحصائيات غير مضبوطة حول القطيع، معتبرة أن تقديم أرقام غير دقيقة عن العرض الحقيقي يساهم في بناء قرارات متأخرة وغير فعالة، ويترك المجال مفتوحا أمام المضاربة والاحتكار.

ويرى منتقدون أن الإشكال لم يعد فقط في ارتفاع الأسعار، بل في غياب رؤية استباقية واضحة. فلو كانت المعطيات المتوفرة دقيقة، يقول هؤلاء، لتم التدخل مبكرا عبر مراقبة مسالك التسويق، وضبط الوسطاء، وتحديد نقط البيع، وتوجيه الدعم بشكل ينعكس فعليا على جيوب المواطنين، لا أن يظل أثره محدودا أو غير ملموس.

الشناقة يتسيدون الأسواق

وسط هذا الوضع، عاد الحديث بقوة عن “الشناقة”، الذين يتهمهم مواطنون ومهنيون بالسيطرة على حلقات مهمة من سوق الأضاحي، من خلال شراء رؤوس الأغنام بكميات كبيرة وإعادة بيعها بأثمان مرتفعة، مستغلين ارتفاع الطلب واقتراب العيد وضعف الرقابة.

ويؤكد العديد من المواطنين أن الفرق بين السعر عند الكسابة والسعر النهائي داخل الأسواق يصبح أحيانا كبيرا جدا، ما يطرح علامات استفهام حول عدد الوسطاء الذين يمر عبرهم الخروف قبل أن يصل إلى المستهلك النهائي.

هذه الوضعية جعلت فئات واسعة تعتبر أن السوق لم يعد خاضعا لمنطق العرض والطلب الطبيعي، بل لمنطق المضاربة والتحكم في الأسعار، خصوصا عندما يجد المواطن نفسه أمام أثمان متقاربة ومرتفعة في أغلب الأسواق، دون وجود بدائل حقيقية أو تدخلات واضحة تفرض الشفافية.

قرارات متأخرة وانتقادات لرئيس الحكومة ووزير الفلاحة

في قلب هذه الانتقادات، وُجهت سهام المسؤولية إلى الحكومة ورئيسها عزيز أخنوش، بسبب ما وصفه منتقدون بـ“الفشل في ضبط الأسعار” رغم الوعود السابقة والتدابير المعلنة. كما طالت الانتقادات وزير الفلاحة، حيث دعت بعض الأصوات إلى استقالته بعد ما وصفته بـ“فوضى أسعار الأضاحي” وغياب أثر واضح للإجراءات المتخذة على أرض الواقع.

ويرى منتقدو تدبير الحكومة أن القرارات جاءت متأخرة، وأن التدخل لم يكن بالقوة والسرعة المطلوبتين، خصوصا أن ملف الأضاحي ليس طارئا، بل يتكرر كل سنة، وكان يفترض أن تتم معالجته قبل أشهر من العيد عبر تتبع القطيع، ومراقبة الأسعار، وضبط الاستيراد، ومحاربة المضاربة، والتواصل الواضح مع المواطنين.

في المقابل، يجد المواطن البسيط نفسه خارج الحسابات التقنية والرسمية، لأن ما يهمه في النهاية ليس عدد الرؤوس المعلنة في البلاغات، بل قدرته على شراء أضحية بثمن معقول يحفظ كرامته وفرحة أسرته.

اختفاء الأضاحي من الأحياء الشعبية

من الظواهر التي لفتت الانتباه أيضا هذا العام تراجع حضور الأضاحي في عدد من الأحياء الشعبية، بعدما كانت الأزقة والفضاءات القريبة من الأسواق تعرف حركة نشيطة قبل العيد بأيام. هذا التراجع يعكس، في نظر متتبعين، حجم الأزمة الاجتماعية التي خلّفها ارتفاع الأسعار.

ففي أحياء كثيرة، لم تعد الأضحية حاضرة بنفس الزخم المعتاد، إما بسبب عجز الأسر عن اقتنائها، أو بسبب انتظار اللحظات الأخيرة على أمل انخفاض السعر، أو بسبب لجوء بعض المواطنين إلى حلول بديلة مثل تقاسم الأضحية أو الاكتفاء بشراء اللحم بعد العيد.

وهذا التحول لا يحمل فقط دلالة اقتصادية، بل يحمل أيضا دلالة اجتماعية ونفسية، لأن عيد الأضحى في المخيال المغربي ليس مناسبة عادية، بل لحظة عائلية وجماعية ترتبط بالفرح والزيارة وصلة الرحم. لذلك فإن عجز الأسر عن اقتناء الأضحية يترك أثرا عميقا يتجاوز المسألة المادية.

“مجزرة الأسعار” تفضح الوعود

وصف عدد من المتابعين ما وقع في الأسواق بـ“مجزرة الأسعار”، في إشارة إلى الارتفاع الكبير الذي طال أثمان الأضاحي، وإلى حالة الارتباك التي رافقت عملية البيع والشراء. فبين الخروف المتوسط الذي أصبح يتجاوز قدرة الطبقة المتوسطة، والخروف الجيد الذي صار خارج متناول الأسر ذات الدخل المحدود، وجد المواطن نفسه أمام اختيارات صعبة.

وتكشف هذه الأزمة، مرة أخرى، هشاشة السياسات العمومية المرتبطة بحماية القدرة الشرائية، خصوصا في المناسبات الكبرى التي يرتفع فيها الطلب ويصبح المواطن أكثر عرضة للضغط والمضاربة.

كما تطرح الأزمة سؤال فعالية الدعم العمومي الموجه لهذا القطاع. فحين يتم الحديث عن إجراءات لدعم العرض أو الاستيراد أو تخفيف كلفة الإنتاج، ينتظر المواطن أن يلمس ذلك مباشرة في السوق. أما عندما تبقى الأسعار مرتفعة، فإن السؤال يصبح مشروعا حول الجهة التي استفادت فعليا من تلك التدابير.

أين هي أجهزة المراقبة؟

إلى جانب الحكومة ووزارة الفلاحة، طُرحت أيضا أسئلة حول دور أجهزة المراقبة الترابية والاقتصادية في ضبط الأسواق ومحاربة المضاربة. فارتفاع الأسعار بهذا الشكل، وانتشار الشكاوى من تحكم الوسطاء، يطرحان سؤال حضور السلطات في الميدان، ومدى قدرتها على مراقبة مسالك البيع والتوزيع.

ويرى متتبعون أن مسؤولية ضبط السوق لا يمكن أن تترك فقط لمنطق العرض والطلب، خاصة في مناسبة بحجم عيد الأضحى، حيث يصبح الطلب اجتماعيا ودينيا ونفسيا، ولا يتعلق بسلعة عادية يمكن للمواطن الاستغناء عنها بسهولة.

لذلك، فإن غياب تدخل قوي لمحاصرة المضاربة وفرض الشفافية في الأسعار يفتح المجال أمام فوضى السوق، ويجعل المواطن في مواجهة مباشرة مع الوسطاء دون حماية كافية.

عيد بطعم الغلاء

في النهاية، يدخل كثير من المغاربة عيد الأضحى هذا العام بإحساس ثقيل. فمنهم من اقتنى الأضحية بثمن أرهق ميزانيته، ومنهم من اضطر إلى التخلي عنها، ومنهم من لا يزال ينتظر أملا في فرصة أخيرة قد لا تأتي.

الأزمة الحالية لا تختزل في ارتفاع ثمن الخروف فقط، بل تكشف عن أزمة ثقة بين المواطن والخطاب الحكومي، وعن اختلالات عميقة في تنظيم السوق، وعن ضعف آليات حماية الفئات الهشة والمتوسطة من جشع المضاربين.

وبين وعود الحكومة، وانتقادات النقابات، وغضب المواطنين، وتغول الشناقة، يبقى السؤال معلقا: من يحمي فرحة العيد؟ ومن يتحمل مسؤولية أن يجد مغاربة كثيرون أنفسهم بدون أضحية عشية عيد يفترض أن يكون مناسبة للطمأنينة والتضامن لا عنوانا جديدا للغلاء والخذلان؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى