عندما تتحول الأوطان إلى محطات انتظار…
وسط هذا المشهد القاتم، برزت أصوات تحاول أن تجد تفسيرًا مختلفًا لما وقع بمدينة المضيق، فذهبت إلى أن الهروب الجماعي نحو سبتة لم يكن سوى عملية مدبرة، أو على الأقل تساهلًا مقصودًا، أرادت من خلاله الدولة المغربية توجيه رسالة سياسية إلى إسبانيا، عقب الزيارة التي قام بها رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز إلى الجزائر.
ولأن السياسة لا تُدار بالعواطف، فمن حق أي شخص أن يطرح الفرضيات التي يراها مناسبة، لكن من حقنا أيضًا أن نخضع تلك الفرضيات لمنطق العقل، لا لمنطق الانفعال.
حسنًا…
فلنفترض، جدلًا، أن هذا الطرح صحيح.
فلنسلم، بأن ما وقع كان يحمل في طياته رسالة سياسية.
لكن، أليس من حقنا أن نسأل:
وهل أصبحت أجساد الشباب المغربي لغةً في التفاوض؟
وهل صار اليأس الشعبي أداةً في إدارة الخلافات الدبلوماسية؟
وهل يجوز أخلاقيًا وسياسيًا أن تتحول معاناة آلاف الشباب إلى مادة قابلة للتأويل السياسي؟
ثم، إذا كانت الدولة ــ كما يزعم أصحاب هذه الرواية ــ أرادت الضغط على إسبانيا، فلماذا اختارت أكثر الأوراق هشاشة؟
ألم يكن بالإمكان اللجوء إلى أدوات السياسة والدبلوماسية والاقتصاد؟
أليست العلاقات الدولية تملك من الوسائل ما يغني عن الزج بصورة الوطن في مشهد يطوف العالم كله؟
ثم، ماذا عن سمعة المغرب؟
ألسنا نحن من يتحدث، في كل المحافل، عن دولة صاعدة، وعن استقرار سياسي، وعن نموذج تنموي جديد؟
فأي صورة تصل إلى العالم، عندما يرى آلاف الشباب يركضون نحو البحر، غير عابئين بالموت؟
وأي رسالة أخطر من أن يرى العالم أبناء الوطن يفرون منه؟
إن أخطر ما في هذا الطرح، إن صح، أنه يجعل الإنسان مجرد وسيلة، بينما الأصل في كل السياسات أن يكون الإنسان غايتها.
وقد كتب الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط أن الإنسان يجب أن يُعامل دائمًا بوصفه غاية في ذاته، لا مجرد وسيلة لتحقيق غايات أخرى. وهذه ليست فكرة فلسفية مجردة، بل قاعدة أخلاقية تصلح لقياس نبل السياسات العمومية.
لكنني، في المقابل، أميل إلى أن اختزال ما وقع في المضيق في تفسير سياسي واحد، هو ظلم للحقيقة نفسها.
لأن الأزمة أعمق من ذلك بكثير.
إنها ليست أزمة حدود…
بل أزمة ثقة.
وليست أزمة هجرة…
بل أزمة أمل.
فالشباب لا يركب البحر لأنه قرأ تحليلًا سياسيًا، ولا لأنه يتابع تفاصيل العلاقات المغربية الإسبانية، بل لأنه يعيش كل يوم واقعًا يضغط على صدره، ويشعره بأن المستقبل يبتعد عنه أكثر مما يقترب.
لقد كتب عالم الاجتماع الفرنسي إميل دوركايم أن المجتمع، حين يعجز عن توفير الأفق والمعنى لأفراده، تبدأ الروابط الاجتماعية في التفكك، ويظهر ما سماه بـ”الأنومي” أو حالة فقدان المعايير. ولعل أخطر ما نلمسه اليوم هو هذا الشعور المتزايد لدى فئات واسعة من الشباب بأن الجهد لم يعد يقود بالضرورة إلى النجاح، وأن الطريق بين الاجتهاد والكرامة أصبح مليئًا بالعوائق.
وحين يفقد الإنسان ثقته في أن العمل يثمر، وأن التعليم يفتح الأبواب، وأن القانون يحمي الجميع على قدم المساواة، فإنه يبدأ في البحث عن خلاص فردي، حتى وإن كان محفوفًا بالمخاطر.
إن الشباب المغربي لا يطلب المعجزات.
لا يطلب القصور.
ولا يطلب حياة مترفة.
إنه يطلب أشياء تبدو بديهية في أي دولة تريد أن تصنع المستقبل:
شغل يحفظ الكرامة…
تعليمًا يصنع الكفاءة…
مستشفى يحفظ الحياة…
قضاءً يشعره بالمساواة…
سكنًا يضمن الاستقرار…
وإدارةً لا تذله…
أليس هذا هو الحد الأدنى الذي يجب أن يتوافر في أي عقد اجتماعي؟
لقد قال المفكر محمد عابد الجابري إن الدولة لا تكتسب مشروعيتها من النصوص وحدها، بل من قدرتها على الاستجابة لحاجات المجتمع. وهذه الفكرة تستحق أن نتوقف عندها طويلًا.
لأن الشرعية لا تُقاس فقط بما تمنحه القوانين، وإنما بما تمنحه السياسات من إحساس بالعدل.
إن الوطن لا يُبنى بالإسمنت وحده.
ولا بالطرق السيارة وحدها.
ولا بالموانئ والملاعب وحدها.
فكل هذه المشاريع، مهما بلغت أهميتها، تفقد جزءًا كبيرًا من معناها إذا بقي الإنسان يشعر بأنه خارج أولوياتها.
لقد علمتنا التجارب أن الأمم لا تنهار حين تفتقر إلى المال، وإنما حين تفقد ثقتها في المستقبل.
ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يؤرق الجميع ليس:
كيف نمنع الشباب من الهجرة؟
بل:
كيف نجعلهم يحبون البقاء؟
كيف نجعلهم يشعرون بأن لهذا الوطن مكانًا يتسع لأحلامهم؟
كيف نحول المغرب إلى فضاء للأمل، لا إلى محطة انتظار طويلة قبل أول فرصة للمغادرة؟
إن معالجة الظاهرة بالمنطق الأمني وحده لن توقفها.
ومحاصرة الحدود لن تنهيها.
وتشديد المراقبة لن يقتل الفكرة.
لأن الهجرة ليست سببًا…
بل نتيجة.
والنتائج لا تُعالج قبل أسبابها.
إن المغرب، وهو يستعد لاستحقاقات كبرى، ويطمح إلى تعزيز مكانته الإقليمية والدولية، يحتاج اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى مكاشفة ومصارحة وطنية هادئة وشجاعة، تعترف بأن التنمية ليست أرقامًا تُقرأ في التقارير، وإنما شعورٌ يسكن المواطن حين يستيقظ صباحًا وهو مطمئن إلى أن له مكانًا في هذا الوطن.
إن التاريخ لا يرحم الدول التي تفقد شبابها.
ولا يرحم المجتمعات التي تتصالح مع اليأس.
ولا يرحم النخب التي تكتفي بوصف الجراح بدل معالجاتها.
وسيظل السؤال معلقًا فوق رؤوسنا جميعًا:
هل نريد أن نصنع شبابًا يحلمون بالوطن… أم شبابًا يحلمون فقط بالرحيل عنه؟
فبين السؤالين… يتحدد مستقبل المغرب.