عبّرت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان عن قلقها وألمها إزاء موجات العبور الجماعي التي شهدتها مناطق شمال وشرق المغرب في اتجاه مدينتي سبتة ومليلية، بمشاركة آلاف الشباب والقاصرين ومئات الأسر، معتبرة أن هذه التطورات أفضت إلى مأساة إنسانية وانتهاكات خطيرة للحقوق الأساسية.
وأفادت الجمعية، في بيان صادر عن مكتبها المركزي، بأن المعطيات المتداولة، في انتظار صدور أرقام رسمية، تشير إلى سقوط ما يقارب 130 ضحية، إلى جانب تسجيل عشرات المفقودين والجرحى. كما أشارت إلى وقوع مواجهات وأعمال عنف قرب معبر بني أنصار المؤدي إلى مليلية، وإلى اتخاذ السلطات إجراءات للحد من التنقل ووقف بعض الرحلات المتجهة نحو مدن الشمال.
واعتبرت الهيئة الحقوقية أن ما وقع لا يمكن اختزاله في حدث ظرفي أو في قضية مرتبطة بالهجرة غير النظامية فقط، بل يعكس، بحسب موقفها، أزمة اجتماعية واقتصادية بنيوية تراكمت نتيجة البطالة والفقر واتساع الفوارق الاجتماعية والمجالية وتراجع الخدمات العمومية وانسداد الآفاق أمام الشباب.
وأضاف البيان أن الرغبة في الهجرة تحولت لدى فئات واسعة من الشباب إلى تعبير عن فقدان الثقة في المؤسسات والسياسات العمومية وفي القدرة على بناء مستقبل داخل البلاد، محملاً الدولة المسؤولية السياسية عن الأوضاع التي دفعت أعداداً كبيرة من المواطنين، بمن فيهم أطفال وقاصرون، إلى المخاطرة بحياتهم.
وانتقدت الجمعية ما وصفته بسياسات التفقير والتهميش والظلم الاجتماعي، كما رفضت أي توظيف سياسي أو دبلوماسي لملف الهجرة أو استخدام معاناة الفئات الهشة وسيلة للضغط في العلاقات مع إسبانيا أو الاتحاد الأوروبي.
ورأت الهيئة أن الأحداث تطرح مسألة احترام الحق في الحياة، المنصوص عليه في المادة السادسة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، كما تثير مسؤولية الدولة في حماية الأطفال، وفق المادتين الثالثة والتاسعة عشرة من اتفاقية حقوق الطفل.
وعبرت الجمعية عن استيائها من غياب التواصل الرسمي بشأن الأحداث، معتبرة أن الصمت ساهم في انتشار الشائعات وتزايد التنقل نحو المناطق الشمالية. كما أدانت الخطابات الصادرة عن تيارات اليمين المتطرف في أوروبا والولايات المتحدة، والتي تقدم المهاجرين باعتبارهم تهديداً للمجتمعات الغربية.
وقدمت الجمعية تعازيها إلى أسر الضحايا، مطالبة بجبر الأضرار النفسية والاجتماعية التي لحقت بالعائلات، وبجعل إنقاذ الأرواح وصون الكرامة الإنسانية في صدارة السياسات العمومية.
ودعت إلى مراجعة جذرية للسياسات الاقتصادية والاجتماعية، وإعطاء الأولوية لتشغيل الشباب وتوفير العمل اللائق وتحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية، خصوصاً في جهات الشمال والمناطق المهمشة.
كما طالبت بفصل الملفات الإنسانية عن أجندات الضغط السياسي، واعتماد مقاربة حقوقية في تدبير الهجرة، وتفعيل آليات حماية القاصرين وإعادة إدماجهم في منظومتي التعليم والتكوين، وحمايتهم من شبكات الاتجار بالبشر ومخاطر العبور غير الآمن.
وشددت الجمعية على ضرورة فتح تحقيق جدي ومستقل للكشف عن ملابسات موجات العبور الأخيرة، وتحديد المسؤوليات عن أي تقصير في حماية الأرواح والفئات الهشة، مع احترام الحق في التنقل والمغادرة والعودة وفق المواثيق الدولية.
وختمت بيانها بالدعوة إلى إدراج مطلب استرجاع سبتة ومليلية ضمن الأجندة السياسية للدولة، باعتباره، بحسب موقف الجمعية، قضية مرتبطة باستكمال تصفية الاستعمار، من دون ربطها بأي تسوية تخص جبل طارق.