وجهة نظر

الهجرة: أزمة اجتماعية أم صيحة رقميّة؟ أجدور عبد اللطيف

     عبر أزيد من خمسين ألف مهاجر عبر سبتة المحتلة حسب وزارة الداخلية الإسبانية، في واحدة من أضخم عمليات الهجرة الجماعية غير القانونية، ما يضعنا أمام سؤال مركب: ما هي الدوافع الحقيقية لهذا الانسحاب الجماعي من فضاء جغرافي إلى آخر؟

لا يسع إنسانًا سويًّا، بمفهوم الإنسانية الشامل، أن يُتابع ما تناقلته وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي من سبتة، من غير أسف عميق يتجاوز الكلمات. لأن أزمة الهجرة غير النظامية أعقد من أن تُختزل في مجرد جماعات من الشباب الهاربين من الفقر والإقصاء والبطالة وفقد المعنى؛ إنها مشاهد صادمة تعكس حجم التحولات التي مست مفاهيم العيش الكريم، والوطن، والحرية.

لم يعد العيش الكريم مقتصرًا، كما في تصور الأجيال السابقة، على الغذاء والمأوى، بل تجاوزه اليوم إلى التمتع بالحريات الفردية كاملة، والمشاركة الاجتماعية والسياسية الحقيقية، والحق في التعبير. كما أن الوطن لم يعد مجرد حالة وجدانية تحددها الجغرافيا والرموز والانتماء، يلزم معها التشبث بالمكان والقبول بواقع الحال مهما كانت الظروف، بل، فضاءً يُقاس بقدرته على احتضان الإنسان وتوفير الرفاه والأمان، وإنتاج المعنى والأمل.

ظلت الهجرة، لسنوات طويلة، ورقة أخيرة يَلجأ إليها مضطرًا، من لم يُسعفه الحظ في الالتحاق بوظيفة، أو الانخراط في شركة، أو تأسيس مشروع خاص؛ ومع ذلك، ظل المهاجر يحافظ على وصال اقتصادي واجتماعي ووجداني وثيق بوطنه. أما اليوم فقد تحولت الهجرة إلى ظاهرة اجتماعية مريبة، تغذيها ثقافة الصورة السائلة، بتعبير زيجمونت باومان. حيث صنعت مواقع التواصل الاجتماعي صورة سريالية عن الضفة الأخرى، باعتبارها المكان الذي تنتهي عنده كل مآسي العالم. إذ يصوّر بعض من وصلوا إلى الضفة الأخرى الحياة بكثير من المبالغة والتزييف أحيانا من أجل التفاخر أو التعويض عن الحالة النفسية الدونية الناتجة عن الفشل الدراسي أو المهني سابقا. فالمهجر فضاء مفتوح للرفاه والحرية والمتعة: الشقراوات بالانتظار، وفرص العمل الذهبية، والشوارع النظيفة، دون الالتفات إلى ما يفرضه الاغتراب من تحديات قانونية واجتماعية ونفسية واقتصادية متعددة. إنها صورة مشوهة تقفز على كثير من التفاصيل التي تغير المعادلة برمتها.

ترتبط موجة الهجرة، بشكل أو بآخر، في بعدها الشامل، بترهل الكثير من المفاهيم والقيم، حيث تفكك مفهوم الأسرة، وارتفعت معدلات الطلاق، كما أن ضعف المدرسة العمومية وعجزها عن توجيه الأجيال ومواكبتها، وارتفاع نسب البطالة، سهلت استقطاب الشباب والمراهقين، سواءً من طرف مافيات بالمخدرات، أو الاتجار بالبشر، أو الإرهاب، أو الشغب، أو التفاهة، أو الهجرة. تستثمر كل تلك الكيانات الخطيرة في سياقات داخلية ودولية متداخلة، تتقاطع فيما بينها لتفرز الوضع القائم والذهنية السائدة لدى الجيل الجديد.

يبدو كذلك أن بعض السياسات الحكومية المتعاقبة راكمت الشعور بالإحباط لدى فئات واسعة، كما يرى كثيرون أن المقاربات الأمنية الصارمة في التعامل مع الاحتجاجات زاد من الفجوة بين الأجيال الجديدة والفاعلين السياسيين، الأمر الذي دفع عددًا من الشباب إلى النظر للهجرة باعتبارها سبيلًا للخلاص.

ومن جهة أخرى، يتواصل اتساع الفجوة بين عالم غربي، أوروبا أقرب أمثلته جغرافيا، ما زال يتقدم ويتطور، ويسخر مقدرات الذكاء الاصطناعي والطفرات العلمية في الطب والصحة والبنيات التحتية من أجل تحسين ظروف العيش، بالرغم من مواجهته كذلك لتحديات مركبة أمنية وطاقية وسياسية أساسا، وبين واقع محلي يرى كثيرون أنه ما يزال يعاني من اختلالات في التنمية، واتساع في الفوارق الاجتماعية، وضعف التواصل. إذ ما تزال بعض المناطق تعيش دون ربط طرقي أو كهربائي أو مائي، وأماكن تبدو فيها سيارة الإسعاف، أو الطبيب، أو صبيب الأنترنت، وكأنها تنتمي إلى عالم الأساطير لا إلى القرن الحادي والعشرين.

أنفق المغرب اعتمادات مالية مهمة على استضافة تظاهرات رياضية وفنية عالمية، وتشييد بنيات تحتية بمواصفات دولية، تركزت أساسًا في المدن الاقتصادية الكبرى والوجهات السياحية. من أجل تعزيز صورة المغرب بوصفه دولة تسعى إلى ترسيخ مكانتها التنموية والإشعاعية. غير أن مشاهد سبتة الأخيرة، ألقت بظلالها على تلك الصورة، في عصرٍ تُحدث فيه الصورة الواحدة تأثيرا بالغا تعجز عنه عشرات الكلمات.

إنها رسائل لا تشفير فيها، تعكس التحولات العميقة التي يشهدها المجتمع، وتكشف أنماط تفكير مختلفة لدى الشباب. فالهجرة، لم تعد مجرد انتقال من ضفة إلى أخرى، بل ظاهرة تتخذ أبعادا اجتماعية وسياسية واقتصادية ورقمية متعددة ومتقاطعة، كما أصبحت نقاشاً صامتًا حول معنى الوطن، وقدرة الدولة والمجتمع معًا على إنتاج الأمل والمعنى.

أجدور عبد اللطيف

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى