دعا مصدر حكومي مغربي إلى مراجعة نموذج التعاون القائم في تدبير ملف الهجرة، مؤكداً أن المغرب «ليس شرطياً ولا حارساً لأوروبا»، بل شريك ذو سيادة لا يمكن مطالبته بتحمل تداعيات قرارات اتخذت خارج إطار التشاور والتنسيق معه.
وقال المصدر، الاثنين بالرباط، إن أحداث العبور الجماعي نحو مدينة سبتة تفرض طرح سؤال جوهري بشأن مدى ملاءمة نموذج التدبير الحالي للسياق الجديد، وضرورة تحيين قواعد الشراكة المغربية الأوروبية على أساس المسؤولية المتبادلة والثقة والوضوح.
قرار قضائي أضعف المنظومة الردعية
وحمل المصدر الحكومي جزءاً من مسؤولية ما وقع لقرار قضائي إسباني صدر في الثامن من يوليوز 2026، معتبراً أنه ساهم في إضعاف إحدى أهم آليات مكافحة الهجرة غير النظامية.
وأوضح أن القرار اعتبر وصول المهاجرين عبر البحر مانعاً من إعادتهم بصورة تلقائية، وهو إجراء وصفه المصدر بأنه كان يشكل «حجر الزاوية» في المنظومة الردعية المعتمدة على الحدود.
وبحسب الرواية الحكومية المغربية، فهمت شبكات تهريب البشر والمرشحون للهجرة غير النظامية الحكم على أنه يوفر نوعاً من الحماية لمن يتمكن من الوصول بحراً إلى سبتة، ما شجع على تكثيف محاولات العبور.
وقال المصدر إن الحاجز أمام الهجرة «لم ينهَر تحت ضغط المهربين، بل نتيجة قرار قضائي إسباني»، مضيفاً أنه لا يمكن لقاض إسباني تقويض منظومة مكافحة الهجرة غير النظامية، ثم مطالبة المغرب لاحقاً بتحمل التبعات.
كما انتقد عدم إبلاغ الرباط مسبقاً بمضمون الحكم وآثاره المحتملة، متسائلاً عما إذا كانت السلطات الإسبانية قد أطلعت المغرب على القرار حتى يستعد لتداعياته، أو اتخذت إجراءات استباقية لمواجهة النتائج المتوقعة.
واعتبر أن نقطة التحول في الأزمة تكمن في التباين بين العامل الذي ساهم في إشعالها، والمتمثل في القرار القضائي، وبين تأخر الاستجابة لتداعياته، ما أتاح لشبكات التهريب استغلال الوضع.
المغرب يؤكد التزامه بحماية حدوده
وشدد المصدر على أن المغرب لم يتخلف عن التزاماته في مجال مكافحة الهجرة غير النظامية، مؤكداً أنه يحمي أراضيه وحدوده انطلاقاً من مسؤولياته السيادية، وليس نيابة عن أي طرف أوروبي.
وأضاف أن المملكة تتعامل مع ملف الهجرة باعتبارها شريكاً موثوقاً وملتزماً، لكن هذه الشراكة لا يمكن أن تسير في اتجاه واحد، أو أن تقوم على مطالبة المغرب بمعالجة نتائج قرارات أوروبية لم يشارك في إعدادها ولم يُستشر بشأنها.
ودعا إلى إعادة ضبط قواعد التعاون، وتحديد المسؤوليات بصورة واضحة، وإرساء تنسيق فعلي يسمح بتبادل المعلومات واستباق القرارات التي قد تكون لها آثار مباشرة على الحدود المغربية الإسبانية.
انتقاد توظيف أحداث سبتة سياسياً
وانتقد المصدر الحكومي توظيف أحداث سبتة في الحملات الانتخابية والصراعات السياسية، معتبراً أن التغطية الإعلامية خلال ذروة الأزمة طغى عليها التهويل والإثارة والتعليقات التحريضية والتحليلات المتسرعة.
وأعرب عن أسفه لما وصفه بغياب الرؤية والقصور الاستراتيجي لدى بعض الفاعلين السياسيين، إلى جانب محاولة آخرين استغلال الأزمة لتصفية الحسابات، بدلاً من التعامل معها باعتبارها تحدياً إنسانياً وأمنياً وتنموياً مشتركاً.
وخلص إلى أن ما جرى كشف، بحسب تعبيره، غياب نظرة شاملة إلى الشراكة، وأن «قواعد التعامل مع الوضع يجب أن تتغير» بعد أن اتضح أن المغرب لا يمكن أن يتحمل وحده مسؤولية تدبير ملف تتداخل فيه القرارات القضائية والسياسات الأوروبية وشبكات الاتجار بالبشر.
الشراكة ليست مجرد تمويلات
وأكد المصدر أن التعاون في مجال الهجرة لا يمكن اختزاله في تقديم التمويلات، مشيراً إلى أن الأموال لم تكن يوماً الدافع الأساسي وراء انخراط المغرب في ضبط الحدود ومحاربة شبكات التهريب.
ودعا إلى إعادة بناء الشراكة على أساس الإرادة السياسية والثقة والمسؤولية واستشراف المستقبل، مع تجاوز النظرة التي تجعل من المغرب مجرد منفذ لسياسات أوروبية أو حاجز أمام تدفقات المهاجرين.
كما شدد على أن قضية الهجرة لا يمكن حلها بواسطة المقاربة الأمنية وحدها، لأن جذورها ترتبط بالتنمية وفرص الشغل والعدالة الاجتماعية والاستقرار الاقتصادي.
العودة الطوعية ودحض «الفردوس الموعود»
واستدل المصدر بحركة العودة الطوعية من سبتة، التي قال إنها قاربت من حيث الحجم موجة العبور إلى المدينة، مشيراً إلى أن المعطيات الإسبانية تفيد بمغادرة نحو 95 في المائة من الأشخاص الذين وصلوا إليها.
ورأى أن هذه العودة تمت بناء على اختيار الوافدين وقناعتهم الشخصية، بعدما اكتشفوا أن الصورة التي رسموها عن «الفردوس الموعود» لا تتطابق مع الواقع الذي وجدوه داخل سبتة.
واعتبر أن عودة الشباب تعزز وجاهة المسار التنموي المغربي، مشيراً إلى أن المبادرات المنجزة تحت قيادة الملك محمد السادس في الأقاليم الشمالية أحدثت تحولات اقتصادية واجتماعية، وساهمت، وفق الأرقام التي قدمها المصدر، في خلق أكثر من 430 ألف فرصة شغل.
دعوة أوروبا إلى دعم التنمية
وخلص المصدر الحكومي إلى أن الرد الأكثر فعالية على الهجرة غير النظامية يمر عبر تحقيق التنمية، داعياً أوروبا إلى التحول من شريك يركز على مراقبة الحدود إلى شريك فعلي في تنمية المغرب.
كما طالب بمراجعة القرارات الأوروبية التي قد تعيق الاقتصاد المغربي، ولا سيما تلك التي تمس الموانئ وصناعة السيارات والقطاع المالي والخدمات والنقل وترحيل الأنشطة.
وبذلك، يطرح الموقف الحكومي المغربي تصوراً جديداً لمستقبل التعاون في مجال الهجرة، يقوم على تقاسم المسؤوليات، واحترام سيادة المملكة، والتنسيق المسبق بشأن القرارات المؤثرة في الحدود، وربط الأمن بالتنمية بدل الاكتفاء بالمراقبة والإجراءات الظرفية.