وجهة نظر

الديمقراطية أولا وأخيرا! الصادق بنعلال:

  1 – سبق لكاتب هذه السطور أن نشر مقالا صحفيا بنفس هذا العنوان، منذ انطلاق الشرارة الأولى لما سمي بالربيع العربي سنة 2011، تمثل في احتجاجات شعبية عفوية غير مسيسة أو مؤدلجة في عديد الدول العربية، مطالبة بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية. وبعد سقوط “أنظمة” استبدادية في مصر واليمن وسوريا وليبيا وتونس .. عادت فلول هذه الأنظمة الفاشلة مجددا لاسترجاع الحكم، من شعوب ظنت خطأ أن عهد القبضة الحديدية قد ولى، وأن زمن الديمقراطية قد “أقبل مختالا مبتهجا”، لتمتلئ الأرض عدلا وأمنا، بعدما كانت تئن تحت وطأة الظلم والرعب. وجرت مياه متدفقة تحت جسر عالمنا العربي الجريح، لنجد أنفسنا أمام سيناريوهات أكثر ألما ووجعا: تنامي الحروب البينية وقمع حرية الفكر والتعبير، وافتقاد شبه كلي لمطالب العيش الكريم، والسقوط الجماعي  بين مخالب الفقر والهجرة والضياع.

2 – وإذا اقتصرنا على الحالة المغربية، فإنني أتذكر الأمواج الهادرة للشباب المغربي المنضوي في حركة 20 فبراير، وهي تملأ الساحات والشوارع العامة في مختلف المدن المغربية، تصدح حناجرها بشعارات مدنية اجتماعية بسيطة، تروم إقامة حياة سياسية نظيفة، تضمن قيم الحرية والمساواة والكرامة، وإصلاح التعليم والصحة والإدارة وخلق فرص الشغل .. ولحسن الحظ أن ملك البلاد محمد السادس بادر بسرعة للتفاعل الإيجابي مع نداءات هذه الحركة الشبابية، حيث وجه خطابا غير مسبوق في المشهد السياسي الوطني عبر تاريخه الحديث، وأنشئت مؤسسات دستورية عالية القيمة، بل تم تغيير الدستور الذي جاء في تصور مخالف نسبيا لباقي الدساتير الوطنية السابقة منهجية وشكلا ومضمونا، إيذانا بالانتقال إلى مغرب آخر، مغرب العدل والتنمية الاقتصادية والاجتماعية الشاملة.

 3 – وفي هذا السياق يطيب لي أن أستحضر مقطعا من هذا الخطاب الملكي الاستثنائي، ذي الصلة بتوضيح المرتكزات الهيكلية لدستور المملكة الجديد: 

  “ترسيخ دولة الحق والمؤسسات، وتوسيع مجال الحريات الفردية والجماعية، وضمان ممارستها، وتعزيز منظومة حقوق الإنسان بكل أبعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتنموية والثقافية والبيئية، ولاسيما بدسترة التوصيات الوجيهة لهيأة الإنصاف والمصالحة والالتزامات الدولية للمغرب – الارتقاء بالقضاء إلى سلطة مستقلة، وتعزيز صلاحيات المجلس الدستوري، توطيدا لسمو الدستور، ولسيادة القانون، والمساواة أمامه – توطيد مبدأ فصل السلط وتوازنها، وتعميق دمقرطة وتحديث المؤسسات من خلال: – برلمان نابع من انتخابات حرة ونزيهة، يتبوأ فيه مجلس النواب مكانة الصدارة – حكومة منتخبة منبثقة عن الإرادة الشعبية، المعبر عنها من خلال صناديق الاقتراع، وتحظى بثقة أغلبية مجلس النواب”. ما يحز في قلوبنا كمغاربة أننا لا نُنزل القوانين والتوصيات والاقتراحات، القادرة على نقلنا من حالة الركود والعجز إلى حالة الديناميكية والاقتدار، ومن وضع التنظير إلى وضع يسمح لنا بتجسيد أحلامنا وتطلعاتنا على أرض الواقع، وجعلها كائنا ملموسا “يمشي على الأرض ويتجول الأسواق”!

4 – في اعتقادي الراسخ، ما لم نقطع مع اقتصاد الريع ومسلكيات الزبونية والقرابة، وما لم نضع حدا للفساد المستشري والتحكم الطاغي في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية .. وما لم نُفعِّل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، فإننا سنظل ندور في الحلقة المفرغة، أو نسقط في عبثية “سيزيف” اليائسة بلا نهاية. من هنا محورية دعوة المثقفين الأحرار في كل مكان، إلى انتهاج مسلك الديمقراطية كوسيلة وحيدة وفريدة، للإقلاع نحو التقدم والنجاة من العواقب الوخيمة!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى