استبشر الكثير من المتابعين وعلى رأسهم الاسلاميون خيرا بالتحالف العسكري الذي برمته السعودية مع كل من تركيا وباكستان. حيث عده بعضهم بداية نهضة عسكرية للأمة الإسلامية لمواجهة الأعداء، في حين عده آخرون خطوة نحو تحرير القدس في تفاؤل غريب.
في الواقع لو كان هذا التحالف ضد تدخلات الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني السافرة في المنطقة العربية والإسلامية لوافقنا هؤلاء المتفائلين جدا عليه. لكنه للأسف ونظرا للوضع القائم اليوم، وعلاقة هذه الدول المعروفة مع الولايات المتحدة الأمريكية خصوصا، بل تورطها في خدمة أجنداتها بالمنطقة وبعدد من الدول عبر العالم، فإنه لن يتجاوز الخطوط الحمر التي تضعها أمريكا لحلفاءها في المنطقة والعالم.
فالسعودية تستقبل قواعدها التي استعملت في الحرب على العراق وأفغانستان ومناطق أخرى قد تكون من بينها غزة بحكم علاقة أمريكا بالكيان الصهيوني. وتركيا لم تقطع علاقتها يوما بهذا الكيان رغم ادعاءاتها المتكررة، حيث كانت السفن التركية تزوده باحتياجاته النفطية والغذائية بل حتى الأسلحة والذخائر في عز العدوان على غزة مما فضحته المعارضة التركية غير ما مرة. كما أن تركيا وباعتراف ترامب نفسه ساهمت في فرض الجولاني (الإرهابي السابق الذي صار اسمه أحمد الشرع) على سوريا كرئيس ذو صلاحيات غير محدودة.
أما باكستان، فوضعها لايختلف عن وضع السعودية وتركيا، حيث أن علاقة الجيش الباكستاني بالولايات المتحدة الأمريكية متقدمة جدا، وقد استطاعت مؤخرا أن تسلطه على الرئيس السابق عمران خان بعد أن عارض سياسات أمريكا بهذا البلد ليتم إسقاطه بالتنسيق مع ساسة فاسدين داخل قبة البرلمان بعد فشل محاولات لاغتياله، ليتم التنكيل به بعد ذلك من طرف العسكر مما تداوله نشطاء في عدد من المواقع، بعد إدانته بالسجن على خلفية ملفات فساد مثل تلك التي يتم فبركتها ضد المعارضين الذين يتجاوزون حدودهم في نظر السلطة أو بالأحرى الحكام الحقيقيين داخل الدولة العميقة.
لذا فإن هذا التحالف لن يأتي بجديد لأوهام البسطاء والإسلاميين بتحرير فلسطين أو التقدم خطوة نحو نهضة الأمة الإسلامية، بل إنه في الواقع، مجرد خطة سعودية لتوريط باكستان (بعد أن جرت تركيا من خلال اتفاقية بالعام الماضي) في حرب اليمن بعد الهجمات التي استهدفت سفنها في باب المندب وتلك التي استهدفت شركتها النفطية أرامكو بجيزان ردا على قصف مطار صنعاء، فضلا عن الضربات الماحقة التي تلقاها مرتزقتها في عدد من المواقع داخل اليمن بعد التحشيد الذي كان جاريا من أجل الهجوم على صنعاء عاصمة حكومة أنصار الله.
هكذا، قد ينجر هذا التحالف إلى العدوان مرة أخرى على اليمن المقاوم، حيث المناطق الخاضعة لحكومة أنصار الله أو الحوثيون كما يسمونهم، والذين هبوا من داخل محور الممانعة لنصرة غزة ضد العدوان الصهيوأمريكي عليها.
وبعد أن فشل التحالف الأول الذي جندت له السعودية عددا من الدول العربية في تحقيق أهدافه بعد حوالي عشر سنوات من القصف والدمار، وفشل ترامب في إخضاعهم بعد استهداف سفنه وبوارجه وحاملات طائراته بكل جرأة وشجاعة، كما فشل الإسرائيلي في الانتقام مما سببه له الحوثيون من خسائر جمة تضامنا مع غزة، هاهم اليوم يحاولون تجريب وصفة أخرى بدعوى تشكيل تحالف إسلامي لن يشكل إلا طعنة جديدة لمحور المقاومة في المنطقة، مما قد يزيد الطين بلة، حيث لن يختلف دورهم عما فعلوه في سوريا المقاومة التي صارت اليوم قطعة من قطع الشطرنج الأمريكية يحولها ترامب متى وأين يشاء (مؤخرا كان يحرض الجولاني على الهجوم على معاقل حزب الله في الجنوب اللبناني لنزع سلاحه بعد أن فشل في ذلك الإسرائيلي وعملاءه في البلد) بعد أن نجح في تثبيت حكم نفس العصابات التكفيرية المسلحة التي كانت تقاتلها إدارته في سوريا قبل تعديل الخطة.
في الواقع، نتمنى أن يكون تحليلنا لهذا الموضوع على خطأ وإن كانت كل المؤشرات الراهنة تميل إليه، كما نأمل ألا تتورط هذه الدول مع السعودية في حرب أخرى باليمن وأن تتعظ من التجارب السابقة بهذا البلد الذي كان عبر التاريخ ولا زال مستنقعا للغزاة.
د. محمد أكديد
باحث في علم الاجتماع السياسي