قناة تنوير

الجمعية المغربية لحقوق الإنسان تدعو إلى تحقيق مستقل في أحداث سبتة ومليلية وتحذر من أزمة اجتماعية وإنسانية عميقة ( فيديو )

 قدمت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، إلى جانب التنسيقية الأوروبية من أجل حقوق الإنسان بالمغرب، قراءة حقوقية وسياسية موسعة للأحداث التي شهدتها سبتة ومليلية أيام 30 و31 يوليوز وفاتح غشت 2026، معتبرة أن ما وقع لا يمكن اختزاله في مجرد موجة للهجرة غير النظامية، بل يعكس، بحسبها، أزمة اجتماعية واقتصادية وسياسية متراكمة، تستوجب فتح تحقيق مستقل وشفاف لتحديد المسؤوليات.

وجاء موقف الهيئتين خلال ندوة صحفية خُصصت لتسليط الضوء على تداعيات الأحداث، وعلى الطريقة التي تعاملت بها السلطات المغربية والإسبانية مع موجة العبور الجماعي، ومدى احترام حقوق المهاجرين وحرياتهم الأساسية.

واعتبرت الجمعية والتنسيقية أن مشاهد النزوح الجماعي التي عرفتها المنطقة حملت صوراً مؤلمة لعشرات الضحايا والمفقودين والجرحى، وربطتا هذه الظاهرة بما وصفته بـ«انسداد الأفق» لدى فئات واسعة، خصوصاً الشباب، وبأوضاع البطالة والتهميش وضعف الخدمات الاجتماعية وتراجع القدرة الشرائية.

وأكدت الهيئتان، في قراءتهما للأحداث، أن ما جرى يتجاوز محاولة عبور جماعية نحو الضفة الأخرى، ويمثل في نظرهما نتيجة لأزمة بنيوية تراكمت على مدى سنوات، في ظل تراجع مؤسسات الوساطة الاجتماعية والسياسية، واتساع الشعور بالإحباط وفقدان الثقة في المؤسسات.

وقسم التصريح الحقوقي أسباب الأزمة إلى ثلاثة مستويات رئيسية: بعد اجتماعي مرتبط بالبطالة والتهميش وضعف العدالة الاجتماعية والخدمات، وبعد سياسي يتعلق بتراجع أدوار التأطير الحزبي والنقابي، ثم بعد جيوسياسي يرتبط بموقع ملف الهجرة داخل العلاقات المغربية الإسبانية والأوروبية. وهذه القراءة تعبر عن موقف الجمعيتين كما ورد في وثيقتهما.

وتوقفت الوثيقة عند الحصيلة الإنسانية للأحداث، مشيرة إلى أن المعطيات التي اعتمدتها الهيئتان تتحدث عن 141 وفاة على الأقل، من بينها 81 جثماناً قالت إن مصادر رسمية إسبانية أعلنت انتشالها، مقابل 63 جثماناً قالت إن منظمة «كاميناندو فرونتيراس» وثقت انتشالها في المياه المغربية. وتظل هذه الأرقام منسوبة إلى المصادر التي استند إليها التقرير وليست حصيلة نهائية مستقلة.

كما أثار التقرير ملف الاعتقالات والمتابعات القضائية، مشيراً، استناداً إلى معطيات فروع الجمعية في تطوان والناظور، إلى توقيف عشرات الأشخاص، بينهم قاصرون، ومتابعة بعضهم أمام محاكم ابتدائية واستئنافية بتهم مرتبطة بالعصيان أو استعمال العنف أو التحريض أو المساعدة على الهجرة غير النظامية. وانتقدت الجمعية هذه المقاربة، معتبرة أنها تميل إلى «تجريم النزوح» بدل معالجة أسبابه الاجتماعية.

وأولت الوثيقة اهتماماً خاصاً لوضع القاصرين، إذ تحدثت عن بقاء أكثر من ألف قاصر في مراكز إيواء بسبتة، ومئات آخرين في مليلية، كما انتقدت ما وصفته بغياب المواكبة الصحية والنفسية والاجتماعية لبعض العائدين، وضعف التواصل مع أسر المفقودين والضحايا.

وفي جانب آخر، وجهت الجمعية والتنسيقية انتقادات حادة للخطاب الرسمي الذي أعقب الأحداث، معتبرتين أنه ركز، بحسب قراءتهما، على الجوانب الأمنية وشبكات التهريب والمتابعات القضائية، بينما لم يمنح الاهتمام نفسه للأسباب الاجتماعية ولأوضاع الضحايا والمفقودين. وهذه المواقف تبقى جزءاً من تقييم الهيئتين وليست حكماً محايداً أو نهائياً بشأن مسؤولية السلطات.

وفي ختام الوثيقة، طالبت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان والتنسيقية الأوروبية بفتح تحقيق مستقل وشفاف في الأحداث ونشر نتائجه للرأي العام، ومراجعة السياسات الاقتصادية والاجتماعية التي تعتبرانها من بين أسباب الأزمة، وضمان حماية خاصة للقاصرين، وتحسين التواصل مع أسر المفقودين، ووضع سياسة للهجرة تقوم على احترام حقوق الإنسان. كما دعتا إلى إشراك التنظيمات المدنية والنقابية والسياسية في صياغة السياسات العمومية المرتبطة بالهجرة والأزمات الاجتماعية.

وشددت الهيئتان كذلك على ضرورة إحداث آلية للتواصل الفوري مع المواطنين في فترات الأزمات، وربط المسؤولية بالمحاسبة، معتبرتين أن المعالجة الأمنية وحدها لا تكفي، وأن المطلوب، وفق تصورهما، هو معالجة أعمق تعيد الاعتبار للعدالة الاجتماعية والمشاركة السياسية والتنمية المستدامة.

وبهذا الموقف، تعيد الجمعية المغربية لحقوق الإنسان والتنسيقية الأوروبية ملف سبتة ومليلية إلى قلب النقاش الحقوقي والسياسي، ليس فقط من زاوية مراقبة الحدود والهجرة، وإنما من زاوية أوسع تتعلق بأوضاع الشباب، وفعالية السياسات الاجتماعية، وحقوق المهاجرين، ومسؤولية المؤسسات في حماية الأرواح وضمان حق الأسر في معرفة مصير أبنائها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى