اقتصاد

190 مليار درهم للمونديال.. تحذيرات رسمية من الديون وغلاء الأسعار وتهميش المقاولات

 الحنبلي عزيز -متابعة 

مع اقتراب موعد احتضان المغرب، إلى جانب إسبانيا والبرتغال، نهائيات كأس العالم 2030، تتسارع وتيرة الأوراش الكبرى المرتبطة بتأهيل الملاعب وتطوير شبكات النقل والمطارات والبنيات السياحية والاستشفائية، في رهان يتجاوز البعد الرياضي ليشمل تعزيز جاذبية المملكة الاقتصادية والسياحية وترسيخ موقعها كوجهة قادرة على تنظيم التظاهرات الدولية الكبرى.

غير أن حجم الاستثمارات المبرمجة يثير، في المقابل، مجموعة من التحديات المالية والاقتصادية والاجتماعية. وفي هذا السياق، حذر المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي من عدد من المخاطر التي يتعين أخذها بعين الاعتبار، داعيا إلى ضمان استدامة هذه الاستثمارات وتحويلها إلى رافعة حقيقية للنمو، بدل أن تتحول مستقبلا إلى عبء على المالية العمومية.

وبحسب التقرير السنوي للمجلس برسم سنة 2025، فإن مجموع النفقات المنجزة والمبرمجة في إطار الاستعداد لكأس العالم 2030 قد يصل إلى حوالي 190 مليار درهم خلال الفترة الممتدة بين 2024 و2030، أي ما يعادل نحو 11.9 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي لسنة 2024.

وتشمل هذه الاستثمارات السكك الحديدية والمطارات والمنشآت الرياضية والشبكات الطرقية والحضرية والبنيات التحتية السياحية والاستشفائية، فضلا عن شبكات الاتصالات.

ويستند تنفيذ الجزء الأكبر من هذا البرنامج إلى المؤسسات والمقاولات العمومية، التي ستتحمل استثمارات تعادل نحو 7.4 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي، مقابل 3.2 في المائة بالنسبة للجماعات الترابية و1.4 في المائة بالنسبة للميزانية العامة للدولة.

89 في المائة من التمويل عبر الاستدانة

ومن أبرز المخاطر التي توقف عندها المجلس مسألة الاستدامة المالية والميزانياتية، خاصة أن التقديرات تشير إلى أن نحو 89 في المائة من المشاريع المرتبطة بهذه الأوراش سيتم تمويلها عن طريق الاستدانة.

ونبه التقرير إلى أن مشاريع البنيات التحتية الضخمة المرتبطة بالتظاهرات الدولية غالبا ما تكون معرضة لتجاوز الكلفة المبرمجة، أو لتحقيق عائد اقتصادي أقل من التقديرات الأولية.

وتزداد هذه المخاطر، بحسب المجلس، مع الاعتماد على مديونية المؤسسات والمقاولات العمومية، وعلى آليات التمويل المبتكرة والشراكات بين القطاعين العام والخاص، بما قد يترتب عنه من التزامات إضافية محتملة على الدولة مستقبلا.

استثمارات ضخمة.. لكن ماذا عن مردوديتها؟

وسلط المجلس الضوء كذلك على إشكالية النجاعة الاقتصادية للاستثمار، مشيرا إلى أنه رغم الطفرة التي عرفتها البنيات التحتية بالمغرب خلال العقود الماضية، فإن مردودية الاستثمار على مستوى النمو الاقتصادي ما تزال محدودة نسبيا.

وأوضح أن تحقيق المستوى نفسه من النمو الاقتصادي أصبح يتطلب حجما أكبر من الاستثمارات، في مؤشر على تراجع المردودية الحدية للرأسمال.

ويرجع ذلك، وفق التقرير، إلى هيمنة الاستثمار العمومي، الذي قد تتأخر آثاره الاقتصادية، فضلا عن طبيعة بعض المشاريع التي لا تكون عائداتها فورية أو مضمونة.

كما أن الاعتماد المكثف على استيراد معدات التجهيز والمواد الوسيطة قد يقلص، على المدى القصير، من أثر هذه الاستثمارات على القيمة المضافة المنتجة داخل المغرب.

ويرى المجلس أن نجاح أوراش مونديال 2030 ينبغي أن يقاس بمدى قدرتها على تحقيق مكاسب دائمة في الإنتاجية، وتشجيع الاستثمار الخاص، والرفع من مستوى الاندماج المحلي في سلاسل القيمة.

المقاولات الصغيرة أمام خطر مزاحمة التمويل العمومي

ويبرز التقرير تحديا آخر يتعلق بتمويل القطاع الخاص، خاصة المقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة، في ظل تزايد حاجيات الدولة والمؤسسات العمومية إلى التمويل.

وبحسب المجلس، يتوقع أن يتم تمويل حوالي 71 في المائة من الاستثمارات العمومية المبرمجة عبر الدين الداخلي، سواء من خلال القروض البنكية أو عبر إصدار سندات الخزينة.

وقد يؤدي هذا الوضع إلى توجيه جزء متزايد من الموارد البنكية نحو القطاع العام، باعتباره أقل مخاطرة بالنسبة للمؤسسات المالية، على حساب المقاولات الخاصة.

وأشار التقرير إلى أن القروض الموجهة إلى القطاع العام شهدت خلال السنوات الأخيرة نموا أسرع بكثير من القروض الممنوحة للمقاولات الخاصة، إذ أصبح معدل نموها منذ سنة 2023 يفوق بحوالي ست مرات معدل نمو القروض الموجهة إلى القطاع الخاص.

وحذر المجلس من أن استمرار هذا المنحى قد يحد من قدرة المقاولات الصغيرة والمتوسطة على التمويل والاستثمار وإحداث فرص الشغل، بل وقد يحرمها من الاستفادة الفعلية من الفرص التي تتيحها الأوراش المرتبطة بالمونديال.

مخاوف من ارتفاع الأسعار والضغط على القدرة الشرائية

ولا تتوقف المخاطر عند حدود التمويل والاستثمار، إذ حذر المجلس أيضا من انعكاسات ماكرو-اقتصادية محتملة، في مقدمتها ارتفاع الأسعار.

وأوضح أن تنظيم التظاهرات الدولية الكبرى قد يترافق مع ضغوط تضخمية مؤقتة، مع احتمال استمرار بعض مستويات الأسعار المرتفعة حتى بعد انتهاء الحدث، وهو ما قد ينعكس بشكل مباشر على القدرة الشرائية للأسر.

كما لم يستبعد المجلس احتمال ارتفاع الضغط الجبائي على بعض الفاعلين الاقتصاديين إذا اضطرت السلطات العمومية إلى اللجوء بصورة أكبر إلى الضرائب من أجل تمويل جزء من هذه الاستثمارات.

وظائف مؤقتة ومكاسب تحتاج إلى الاستدامة

وعلى مستوى التشغيل، أشار التقرير إلى أن جزءا مهما من فرص الشغل التي ستوفرها الأوراش المرتبطة بالتظاهرات الدولية الكبرى قد يكون مؤقتا، ومرتبطا أساسا بمرحلتي البناء والتنظيم.

كما أن بعض فرص الشغل قد تعكس انتقال اليد العاملة من قطاعات إلى أخرى أكثر من كونها وظائف جديدة صافية، فضلا عن احتمال تركز جزء منها في أنشطة خدماتية محدودة القيمة المضافة ومنخفضة الأجور.

وفي ضوء هذه المعطيات، يضع تقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي تحديا واضحا أمام المغرب: كيف يمكن تحويل الاستثمارات الضخمة المرتبطة بكأس العالم 2030 إلى مكاسب اقتصادية واجتماعية مستدامة؟

فنجاح المونديال، وفق هذا المنظور، لن يقاس فقط بجودة الملاعب والمنشآت ونجاح التنظيم، بل أيضا بمدى قدرة هذه الأوراش على دعم الاقتصاد الوطني، وتقوية المقاولات المغربية، وإحداث فرص شغل مستدامة، وتحسين البنيات التحتية دون تحميل المالية العمومية والأسر كلفة ثقيلة بعد إسدال الستار على البطولة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى