الحنبلي عزيز -تنوير
لم يكن التدفق المفاجئ لعشرات الآلاف من المهاجرين نحو سبتة مجرد موجة هجرة غير نظامية عابرة، بل بدا أقرب إلى انفجار مركب التقت فيه عوامل اجتماعية ونفسية وقانونية وسياسية، وساهمت شبكات التواصل الاجتماعي في تسريع وتيرته بصورة غير مسبوقة.
فخلال ساعات قليلة، تحولت إشاعات عن «فتح الحدود» وإمكانية البقاء داخل سبتة إلى دعوة جماعية دفعت آلاف الشباب إلى التوجه نحو المنطقة. وانتشرت عبر المنصات الرقمية تفاصيل دقيقة حول نقاط العبور والسباحة والعوامات والزعانف، بينما بث بعض الذين تمكنوا من الوصول صوراً ورسائل شجعت آخرين على خوض المغامرة.
لكن كثيراً من هؤلاء اكتشفوا سريعاً أن الوصول إلى سبتة لا يعني الوصول تلقائياً إلى إسبانيا أو باقي أوروبا، وأن المدينة تخضع لقواعد خاصة تجعل الانتقال إلى البر الإسباني مرتبطاً بإجراءات قانونية وحدودية أكثر تعقيداً.
وجاء حكم قضائي إسباني سابق ليزيد المشهد التباساً. فالحكم لم يمنع إعادة المهاجرين بشكل مطلق، وإنما اشترط احترام الإجراءات القانونية قبل ترحيلهم. غير أن مضمونه انتقل عبر شبكات التواصل في صيغة مختصرة ومضللة، فتحول من ضمانة إجرائية إلى قناعة شعبية مفادها أن من يصل إلى سبتة لن تتم إعادته.
غير أن تفسير الأزمة بعوامل الجذب وحدها يبقى ناقصاً. فحين يتحرك هذا العدد الكبير من الشباب في وقت متقارب، يصبح من الضروري أيضاً طرح سؤال عوامل الدفع: ماذا يجعل شاباً مستعداً للمخاطرة بحياته في البحر من أجل الوصول إلى مدينة لا يعرف حتى ما ينتظره داخلها؟
هنا تظهر البطالة، وانسداد الأفق، والرغبة في الهجرة، وشعور جزء من الشباب بأن مستقبله يوجد في الضفة الأخرى. وهي عناصر لا يمكن لأي مقاربة أمنية أن تلغيها بمجرد تشديد الحدود.
وفي المقابل، فتح حجم التدفق وسرعته باباً واسعاً أمام التأويل السياسي. فالحدود مع سبتة تخضع عادة لمراقبة مشددة، ولذلك أثارت سهولة مرور أعداد كبيرة تساؤلات حول ما إذا كانت السلطات المغربية قد عجزت فعلاً عن احتواء الوضع، أم أنها غضت الطرف في لحظة معينة.
هذا السؤال لا يزال بلا جواب حاسم. ومن الخطأ تحويله مباشرة إلى اتهام سياسي، كما أن تجاهله بالكامل لا يبدو مقنعاً. فالتاريخ القريب للعلاقات المغربية الإسبانية يجعل ملف الهجرة شديد الحساسية وقابلاً للاستثمار السياسي، خصوصاً عندما تتزامن الأزمة مع خلافات إقليمية أو تحركات دبلوماسية مرتبطة بالجزائر أو قضية الصحراء.
غير أن فرضية «الرسالة السياسية» تواجه بدورها مفارقة واضحة: الأزمة أضرت أيضاً بصورة المغرب. فبينما تسعى المملكة إلى إبراز مشاريعها في الصناعة والبنية التحتية والقطارات والسياحة والاستعداد لمونديال 2030، قدمت صور آلاف الشباب وهم يحاولون المغادرة رواية موازية وأكثر قسوة عن واقع اجتماعي لا تصل إليه بالضرورة ثمار هذه الإنجازات.
وهنا تكمن الدلالة الأعمق للأزمة.
فالمشكلة ليست فقط فيمن فتح الطريق أو من أغلقه، ولا في حكم قضائي أسيء فهمه، ولا حتى في منشورات انتشرت على «تيك توك» و«واتساب». المشكلة أن تلك الرسائل وجدت أصلاً آلاف الأشخاص المستعدين لتصديقها والمخاطرة بحياتهم فوراً.
لذلك، فإن البحث عن جهة واحدة مسؤولة عن أحداث سبتة قد يكون تبسيطاً مريحاً لمشهد أكثر تعقيداً. ما وقع هو نتيجة تداخل إغراء الوصول إلى أوروبا، والمعلومات المضللة، وشبكات المهاجرين، وضغط الأوضاع الاجتماعية، وربما الحسابات السياسية أيضاً.
لكن أكثر الأسئلة إلحاحاً يبقى داخلياً: لماذا أصبح وعد مجهول على شاشة هاتف كافياً لإقناع آلاف الشباب بأن البحر، بكل مخاطره، قد يكون أكثر أملاً من البقاء؟
هذا هو السؤال الذي لا تستطيع الأسلاك الحدودية وحدها الإجابة عنه.