موضوع الانتخابات التشريعية لايحتاج إلى التعليقات التي تمر مرورا عابرا ،كما لايحتاج إلى قراءة الأرقام بمنطق المعادلات الرياضية.بالرغم من أهمية الارقام وأدوارها في تشكيل الهندسة البرلمانية ،والهندسة الحزبية ،والهندسة السياسية،فإن قيمة الأرقام ووظائفها تكمن في استنطاقها،وفي الكشف عن بنياتها العميقة،وفي دلالاتها السياسية.
القراءة الأولى في الأرقام تظهر أن القوة السياسية الأولى هي قوة المقاطعة والعزوف والأوراق الملغاة،وهومايعني إخفاق الخطاب الداعي إلى المشاركة المكثفة والتصويت.دلالة ذلك ليس الالتفاف حول الموقف السياسي للمقاطعة،بل التعبير عن السخط والتذمر والخيبات،وفقدان الثقة في الانتخابات لكون لاأثر لها على صناعة القرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي…،وفي الأحزاب ،وفي المؤسسات.
وهو مالايعني رفض السياسية،التي باتت تمارس بطرق أخرى،خارج الطرق المعتادة والتقليدية.ولعل الفضاء الأزرق وشبكات التواصل الاجتماعي ،باتت محتضنة لنقاش سياسي يستوجب القراءة والإنصات والاستيعاب.شبكات التواصل الاجتماعي أضحت فاعلا اجتماعيا مؤثرا ،وموجها،وصانعا للرأي العام.إننا أمام متغيرات ديموغرافية وسوسيولوجية وثقافية،تستلزم التشريح ،للوقوف على التوجهات والتمثلات ،وطرح أسئلة من قبيل ،هل الأمر يتعلق بانتقال من البراديغم القديم ،إلى براديغم جديد .
القراءة الأولى في الأرقام ،تدل أيضا على أن الدولة مازالت الفاعل الرئيسي،في الهندسة الانتخابية والسياسية والحزبية،ومؤشرات ذلك ،تتمثل في تنحي أخنوش من رئاسة الحزب ،واستبداله ببروفيل محدود الإمكانيات،والمؤهلات ، ليلعب الدور المنتظر منه في الترتيبات التي لها مهندسوها ،واستراتيجيوها.
وفي هذا الإطار،برز بروفيل لقجع ،ليلعب دور المنقذ لحزب الأصالة والمعاصرة بعد الفضائح التي ملئت صفحات الإعلام،وتسويقه لينال الرتبة الأولى، امستثمرا الإشعاع الرياضي ،وجاذبية هذا الحقل ،وأثر الإنجازات على العقول الوجدان.
القراءة الأولى أيضا في الأرقام ،تدل على طغيان المال والقبيلة والعالم القروي كخزان انتخابي(يمكن الرجوع هنا إلى كتاب ريمي لوفو:الفلاح المغربي المدافع عن العرش)،وطغيان البنية التقليدية في الحقل السياسي والانتخابي والحزبي،المتمثلة في دور الشخص ،ودور الكاريزما ،وليس الدور العقلاني (كما تناول ذلك ماكس فيبر maw weber عالم الاجتماع الألماني).وتتمثل مظاهر هذه الكاريزما في الدور الذي لعبه لقجع،والدور الذي لعبه بن كيران،وإن كانت العدالة والتنمية،أحسنت استثمار دورها في المعارضة البرلمانية،وآلتها التنظيمية التي اشتغلت بشكل دائم ،ونجاح مهرجاناتها.
ومع ذلك يظل دور بن كيران رغم الطابع الشعبوي للخطاب مؤثرا .القراءة الأولى أيضا في الأرقام ،تدل على تقدم تحالف اليسار المتكون من فدرالية اليسار الديموقراطي والحزب الاشتراكي الموحد ،والانتقال من مقعدين إلى ثمانية مقاعد.
يتمثل الدرس الاول في هذا النجاح ،في كون التحالف ووحدة اليسار حاجة مجتمعية،أجابت عن الانتظارات،وأقنعت العديد من الإعلاميات والإعلاميين ،والمثقفات والمثقفين من الالتفاف حول هذا التحالف،وهومايعني تكسير التردد،وتكسير الحواجز والنفور والعزوف،التي تسببت الانشقاقات والخلافات اللامبررة أحيانا،والتي يتم تضخيمها أحيانا،وضعف الثقافة الديموقراطية،وثقافة الاختلاف ،وطغيان الذاتية على حساب المشروع الاستراتيجي.
إن تجربة تحالف اليسار منحت الامل ،واخترقت النخب التي تسلل إليها اليأس ،وأظهرت أن إمكانيات احتضان المجتمع له،ولربما آخر فرص مد الجسور مع تعبيرات المجتمع،ومع التاريخ.في لحظات الأزمات،ولحظات الجزر قد تمنح بعض إمكانيات تخطي المعيقات ،إذا توفرت القيادة على الرؤية المتبصرة والحكيمة،والذكاء السياسي الاستراتيجي .
قيادات تحالف اليسار اليوم ،أمام امتحان تاريخي ،إما استيعاب الدروس والتعاطي الإيجابي مع اللحظة،وإما ضياع الفرصة التاريخية.إن معادلة الموقف المناسب في الزمن المناسب معادلة تركيبية،وتمزج بين التعقيد والتبسيط.فالسياسة حسابات دقيقة ،تفقد معاناها،ووظيفتها خارج السياق المناسب.
قيادات تحالف اليسار ،مطالبة بعد الانتخابات برفع إيقاع الاشتغال المشترك،بتشكبل لجن دائمة مركزيا ومحليا للاشتغال على برنامج مشترك،بمافيه الشروع في التحضير للانتخابات الجماعية.كما يحتاج تحالف اليسار إلى الاستفادة من مختلف الحقول المعرفية لإعادة قراءة تجاربه قراءة نقدية خلاقة مبدعة،أن تقاوم معناه أن تبدع حسب تعبير الفيلسوف الفرنسي “دولوز” .
يحتاج اليسار اليوم إلى التفكير في أسئلة:مامعنى اليسار اليوم؟وماهي مهامه في عالم متحول؟ولماذا أخفق في مشروع الوحدة؟ماالعلاقة ببن اليسار والديموقراطية والحداثة؟أية مكانة للفكر والثقافة في برنامج اليسار؟الموقع الذي تحتله معركة التنوير في النضال الديموقراطي ؟
عبداللطيف قيلش دكتور في القانون العام و العلوم السياسية .عضو المجلس الوطني لفدرالية اليسار الديموقراطي