اتسمت حقبة الستينات حتى نهاية التسعينات بدينامية فنية واسعة، شملت ميادين مختلفة من مجالات الحياة العلمية والتقنية كذلك، حيث مكنت نهاية الحرب العالمية الثانية ونجاح الحركات التحررية في تصفية الاستعمار، من تفرغ الشعوب للإبداع والابتكار وتطوير الفنون المختلفة.
إن كان المغرب قد تأثر بتلك الحركية الفنية التي وسمت أرووبا – ظهور فرق موسيقية في الروك والبوب مثل “البيتلز” و”الرولينغ ستونز” و”ذا هو” و”ذا دورز¹ – وكذا عبر ظهور مدارس مسرحية جديدة، ومحاولات سينيمائية تجنح إلى الحداثة، ونبوغ أدباء مغاربة حاولوا تحرير الإبداع الأدبي من الأنماط السائدة، فإن الموسيقى الأمازيغية تأثرت بدورها بتلك الانتعاشة المتأخرة.
استفادت الموسيقى المغربية عموما من هذه الحركية عبر ظهور تيارات غنائية ثورية مع مجموعة ناس الغيوان وجيل جيلالة وغيرها؛ لم تشكل الموسيقى الأمازيغية الاستثناء، حيث تطور فن الروايس الأمازيغي بسرعة ليصير العلامة الفارقة في تاريخ الموسيقى الأمازيغية خلال القرن الماضي، إذ حوّل مجموعات من القصائد المنظومة يتم إنشادها عاظة ضمن عروض موسيقية محلية في القرى والبوادي، وتؤدى أساسا خلال المناسبات مثل الأعراس ومواسم الحصاد، إلى مقطوعات عانقت العالمية، وحققت انتشارا واسعا.
وإذا كنا قد تطرقنا في مقالين سابقين² إلى الجيل الأول من رواد فن الروايس ومؤسسيه، فإننا سنعرض في السطور اللاحقة لتجربتين تاليتين، تعكسان الحمولة الإنسانية الجميلة التي تختزلها التجارب الموسيقية لفن الروايس، من حيث القيم والرسائل التي تمررها تلك القصائد الخالدة، وكذا من حيث تأثيرها في الفنان ابتداء، والمتلقي تاليا، فما ينبع من القلب يصل إلى القلب، وما يصدر عن التجربة والمعاناة يحصد التعاطف والتقدير.
ينحدر الرايس أعراب اتيكي
من انتوكا³، تيتّم من جهة أبيه وهو صبي، ولجأ – كما هي عادة السواد الأعظم من الأيتام ممن بلغت سمعتهم الآفاق – إلى الرعي ليُعيل أمّه وأسرته. إلى حين زواج أمه.
بزغ نجم الحاج أتيكي حين كان يشارك في تنشيط الحفلات والأفراح بالقرى القريبة، التقى الرايس الحسين الباز الذي شق طريقة حينئذ بين كبار الروايس، فعلّمه العزف على الرباب الآلة الموسيقية التي رافقته طوال مسيرته الفنية.
التحق بفرقة رقية الدمسيرية عازفا على الرباب، إلى حين اقترح عليه مولاي أحمد احيحي المشاركة في إصدار البوم يضم روائع لأشهر الفنانين آنذاك؛ وكان هذا أول عمل يصدره سنة 1981م. غنّى:” فيس ايكيكيل أدور تالات” (كفى أيها اليتيم لا تبك).
تركزت موضوعات أغانيه جميعِها تقريبا على اليتم، متأثرا بوفاة والده صغيرا، ومكابدته أهوال الحياة وحيدا بعد زواج أمه. كما قارب موضوعات ذات صلة مثل الفقر والظلم والقهر والحزن على فراق الأهل والبلاد بحثا عن لقمة العيش؛ تعتبر رائعته “أسمون إيوغازد الخاتم” (الحبيب أحضرت له خاتما) باكورة قصائده الرومانسية التي جرت على ألسن أجيال وأخرى حتى اليوم في المغرب وبين الجالية الأمازيغية في أوروبا والعالم. ما حقق له شهرة ذائعة، سلطت الضوء على تجربة فنية نسجتها أبعاد اجتماعية وإنسانية صعبة.
تتعلق التجربة الثانية بالرايسة كيلي، قد يتوهم الكثير ممن لم يسمع قط بالرايسة أنها أمازيغية تحمل اسما عائليا يتّسق مع الأسماء اللاتينية، لكن الأمر يتعلق بفرنسية برتغالية رأت النور عام 1976م بفرنسا.
شكلت زيارة كيلي رفقة عائلتها لمدينة الدار البيضاء عام 1988م منعطفا فارقا في حياتها، فهي لم تكن تتخيل أنها تزور في عمر 12 عامًا، البلاد التي ستسحرها بثقافتها الأمازيغية التي قلما يعرف عنها الأوروبيون حينئذ، كما أنها لم تكن تتخيل أن صوتها العذب وجمالها الرومي المتوج بزينة الأمازيغيات من سواك وكحل، والملفوف في أزياء أمازيغية، مرصعة بحلي وجواهر ستبلغ الآفاق، وتقتحم بيوت الأمازيغ البسطاء في واحات الجنوب الشرقي ومرتفعات الأطلس ووديان سوس والحوز ودرعة وتافيلالت.
تمكنت كيلي عام 1991م من اعتلاء منصة المسرح الوطني لمحمد الخامس في الدار البيضاء للغناء بالأمازيغية. وصارت سجالاتها وثنائياتها الشعرية خاصة مع حسن أكلاوو علامة بارزة ميّزت مسيرتها الفنية، وحفرت اسمه الرايسة كيلي عميقا في الذاكرة الجمعية الأمازيغية التي أثثت طفولة أجيال كاملة بمقطوعات عذبة تناولت موضوعات الحب والروابط الأسرية والفراق والأرض والهوية والتعاون والتسامح.
غدت الرايسة كيلي رمزا لقدرة الموسيقى الأمازيغية بإيقاعاتها الهادئة والهادفة في آن على التأثير حتى في غير الأمازيغ، مستحضرين في هذا السياق أيضا التجربة الفريدة لفتاح عبو في تعليم اللغة والموسيقى الأمازيغيتين لعشرات الأمريكيين بولاية سان فرانسيسكو.
إن تجربة فن الروايس بدون مبالغة، من أكثر التجارب الفنية جمالا وعمقا، لا في المغرب وحده، بل في العالم، ما يستدعي مزيدا من النبش والتأمل في هذا الموروث الشعري الرائع الحافل بالقيم الأمازيغية الكونية الذي تنهل منه، في زمن تسليع الروابط الإنسانية، وتمييع القيم والفن معاً.
¹ موقع ميدل بيت Middle Best
² الفن الأمازيغي: البساطة والامتنان للحظة.
قصيدة زايد أزمان.
³ قبيلة إنتوكا بنواحي مراكش.