وجهة نظر

التعددية الحزبية بالمغرب: حين يتحول تعدد الاحزاب إلى عائق أمام التحول الديمقراطي -ذ. حسن تزوضى

 تُعد التعددية الحزبية من المرتكزات الأساسية للنظام الديمقراطي، إذ يفترض أن تتيح للمواطنين تعدد الاختيارات السياسية والبرامجية، وأن تضمن التنافس السلمي على السلطة، وتوفر قنوات مؤسساتية للتعبير عن المصالح الاجتماعية والسياسية. فوجود أحزاب متعددة لا يمثل في ذاته مشكلة بالنسبة للديمقراطية، بل يشكل في التجارب الديمقراطية الراسخة إحدى آلياتها الأساسية، متى ارتبط بتعدد حقيقي في التصورات والبرامج، وبالديمقراطية الداخلية، وباحترام قواعد التنافس السياسي.
غير أن الإشكال الذي يطرحه الواقع المغربي لا يتعلق بمبدأ التعددية الحزبية في حد ذاته، وإنما بطبيعة هذه التعددية وحدود فعاليتها السياسية والمؤسساتية، فقد أدى تراكم الانشقاقات الحزبية، وتعدد التنظيمات السياسية، وتقارب البرامج، وضعف التأطير، وهيمنة منطق الانتخابات على الحياة الحزبية إلى إنتاج مشهد سياسي شديد التشتت. وهكذا تحولت التعددية في بعض مظاهرها من وسيلة لإغناء الاختيار الديمقراطي إلى عامل من عوامل إضعافه، ومن آلية للتنافس السياسي إلى آلية لإعادة إنتاج التشرذم.
ومن هنا يمكن طرح الإشكال الآتي: إلى أي حد يمكن اعتبار التعددية الحزبية، في صيغتها الراهنة بالمغرب، عائقاً أمام التحول الديمقراطي؟ وما الشروط الكفيلة بتحويلها من تعددية كمية وشكلية إلى تعددية سياسية حقيقية وفاعلة؟
بادئ ذي بدء، لا ينبغي النظر إلى كثرة الأحزاب باعتبارها دليلاً تلقائياً على رسوخ الديمقراطية، فهذه الأخيرة لا تقاس بعدد التنظيمات السياسية الموجودة بقدر ما تقاس بقدرتها على تمثيل المجتمع، وتأطير المواطنين، وإنتاج البدائل، والمساهمة في صناعة القرار العمومي.
وتكشف التجربة المغربية عن مفارقة واضحة: تعدد حزبي واسع، يقابله ضعف في التمايز السياسي والبرامجي. فتعدد التنظيمات السياسية يجب أن يفرز بالضرورة تعدد المشاريع المجتمعية، لأن التعددية الديمقراطية الحقيقية تقتضي وجود اختلافات واضحة في الرؤى المتعلقة بالاقتصاد والمجتمع والدولة والحريات والعدالة الاجتماعية والسياسات العمومية، كذلك من أبرز مظاهر أزمة التعددية الحزبية ظاهرة الانشقاق والتناسل التنظيمي، فبدلاً من أن يكون الاختلاف داخل الحزب مناسبة لتطوير النقاش الداخلي وتجديد التصورات والقيادات، يتحول أحياناً إلى صراع حول المواقع والنفوذ، ينتهي بتأسيس تنظيم سياسي جديد. وهذا الوضع يكشف عن إشكال أعمق يتمثل في ضعف الديمقراطية الداخلية. فحين لا تتوفر آليات فعالة للحوار وتداول المسؤوليات والمحاسبة الداخلية، يصبح الخلاف السياسي مدخلاً للانقسام بدل أن يكون وسيلة لتطوير الحزب. وبذلك تتوالد التنظيمات السياسية دون أن تتوالد بالضرورة معها مشاريع سياسية جديدة، وإنما تنظيمات تولد وهي ميتة.
إن التعددية الديمقراطية تفترض أن يجد المواطن أمامه خيارات سياسية واضحة يستطيع من خلالها المفاضلة بين مشاريع مختلفة، وهو الامر لانجد له أثرا في المشهد المفربي فتقارب الخطابات والبرامج الانتخابية يجعل الحدود بين الأحزاب أقل وضوحاً، فقد أصبحت العديد من البرامج السياسية تتقاطع في الشعارات الكبرى المتعلقة بالتنمية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية ومحاربة الفساد دون أن يصاحب ذلك دائماً اختلاف جوهري في وسائل تحقيق هذه الأهداف. ومن ثم، فإن المشكلة لا تكمن في تشابه الأهداف في حد ذاتها، وإنما في ضعف التمايز في الوسائل والاختيارات والسياسات العمومية. وحين يعجز المواطن عن إدراك الفروق الجوهرية بين البرامج، يصبح التصويت أقل ارتباطاً بالاختيار السياسي وأكثر ارتباطاً بعوامل أخرى، كالرموز الحزبية أو العلاقات الشخصية أو الاعتبارات المحلية.
يفترض في الحزب الديمقراطي أن يكون مؤسسة مستمرة للتأطير السياسي، لا مجرد آلة انتخابية تظهر بقوة خلال الاستحقاقات وتخفت بعد انتهائها، فضعف الحضور التنظيمي لمعض الأحزاب المشكلة للمشهد، وانحسار نشاطها بين الدورات الانتخابية، يضعف وظيفتها التأطيرية، كما أن محدودية مشاركة القواعد في صناعة القرار تجعل الحياة الحزبية في بعض الحالات مرتبطة بالنخب والقيادات أكثر مما هي مرتبطة بالأعضاء والمناضلين.
وهنا تتراجع الوظيفة التقليدية للحزب باعتباره مدرسة للممارسة السياسية والتكوين الديمقراطي، ويتحول تدريجياً إلى وسيلة للترشح والتفاوض حول المواقع الانتخابية.
وعليه، إذا كانت التعددية في أصلها قيمة ديمقراطية، فإنها قد تتحول إلى عائق عندما تنفصل عن الفعالية السياسية والتمايز البرامجي والديمقراطية الداخلية.
إن تعدد الأحزاب عندما لا يصاحبه وجود أقطاب سياسية واضحة، إلى تشتيت الأصوات والمقاعد. وقد يجعل تشكيل الأغلبية الحكومية أو المجالس المنتخبة رهيناً بتوافقات واسعة بين عدد كبير من الفاعلين.
ولا تكمن المشكلة في التحالفات في حد ذاتها؛ فالتحالف ممارسة ديمقراطية طبيعية. لكن الإشكال يظهر عندما تصبح التحالفات مجرد تجميع حسابي للمقاعد، دون أرضية سياسية وبرنامجية مشتركة. في هذه الحالة، تصبح الحكومة أو المجالس المنتخبة أمام صعوبة في الحفاظ على الانسجام، كما يصبح تحديد المسؤولية السياسية أكثر تعقيداً بالنسبة إلى المواطن، فمن المفترض أن يسمح الاقتراع للمواطن بالتعبير عن اختياره السياسي، وأن تتحول نتائج الانتخابات إلى اتجاه واضح في تشكيل السلطة. لكن عندما تكون النتائج موزعة بين عدد كبير من الأحزاب، يصبح تشكيل الأغلبية في بعض الأحيان نتيجة مفاوضات لاحقة للانتخابات. ومن هنا يمكن أن تنشأ فجوة بين اختيار الناخب وبين التركيبة السياسية التي تفرزها المفاوضات الحزبية.
ولا يعني ذلك أن التحالفات اللاحقة للانتخابات غير ديمقراطية من حيث المبدأ، وإنما يعني أن غياب أرضيات سياسية معلنة للتحالف يجعل المواطن عاجزاً عن توقع طبيعة التحالفات التي ستتشكل بعد التصويت.
كذلك تمثل التزكية الانتخابية واحدة من أهم الحلقات التي تكشف طبيعة الديمقراطية داخل الاحزاب المشكلة للمشهد المغربي فهي خاضعة في كثير من الأحيان للعلاقات الشخصية أو النفوذ أو القدرة المالية أو الاعتبارات الانتخابية الضيقة، ويذلك فالحزب يفقد إحدى أهم وظائفه، وهي إنتاج النخب السياسية على أساس الكفاءة والالتزام والمشروعية الديمقراطية. وهنا تبرز ظاهرة صعود الأعيان والوجوه الانتخابية على حساب النخب الحزبية ذات التكوين السياسي والفكري. ويؤدي ذلك إلى إضعاف استقلالية القرار الحزبي، وتحويل الحزب تدريجياً من مؤسسة لإنتاج الأفكار والمشاريع إلى شبكة انتخابية هدفها الأساسي ضمان المقاعد.
تُعتر الثقة عنصراً أساسياً في أي انتقال ديمقراطي، فإذا شعر المواطن بأن الأحزاب متشابهة في خطابها، وأن تحالفاتها لا تستند إلى منطق سياسي واضح، وأن وعودها الانتخابية لا تنعكس بالضرورة على الممارسة، فإن ذلك يؤدي إلى العزوف السياسي وفقدان الثقة في المؤسسات.
وبذلك تنتج التعددية غير الفاعلة نتيجة مفارقة: كثرة الأحزاب تقابلها قلة في الإحساس بوجود الاختيار الحقيقي.
إن تجاوز أزمة التعددية الحزبية لا يقتضي إلغاء التعددية أو التضييق على التنافس السياسي، وإنما يقتضي الانتقال من تعددية كمية إلى تعددية نوعية قائمة على التمايز والفعالية والديمقراطية. وفي هذا الإطار إن إصلاح الحياة الحزبية التفكير في نظام انتخابي يساعد على تحقيق توازن بين التمثيلية والاستقرار. فالنظام الانتخابي ليس مجرد تقنية لتوزيع المقاعد، وإنما هو مؤسسة تؤثر بصورة مباشرة في شكل النظام الحزبي وطبيعة التحالفات. ومن ثم، ينبغي تقييم مختلف أنماط الاقتراع من زاوية قدرتها على تشجيع بروز أقطاب سياسية واضحة، مع الحفاظ على تمثيلية حقيقية للمجتمع، بدل أن يؤدي النظام الانتخابي إلى تكريس التجزئة المفرطة.
لا يكفي أن تتفق الأحزاب على توزيع المواقع بعد الانتخابات؛ بل ينبغي أن تصبح التحالفات مبنية على أرضيات سياسية وبرامجية معلنة.
فالتحالف الديمقراطي الحقيقي هو الذي يعرف المواطن مسبقاً المبادئ والسياسات التي تجمع أطرافه، بما يسمح له بمساءلتها لاحقاً عن مدى احترام التزاماتها.
يظل إصلاح الحزب من الداخل شرطاً أساسياً لإصلاح النظام الحزبي برمته. ويقتضي ذلك تعزيز التداول على المسؤوليات، وإرساء آليات شفافة لاختيار القيادات والمرشحين، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتمكين القواعد الحزبية من المشاركة الفعلية في صناعة القرار. فلا يمكن لحزب يفتقد الديمقراطية داخله أن يكون أداة فعالة لترسيخ الديمقراطية في المجتمع. هكذايتطلب التحول الديمقراطي تجديد النخب السياسية وفتح المجال أمام الشباب والكفاءات والأطر الحزبية، بدل الاقتصار على الأسماء ذات القدرة الانتخابية أو المالية. كما ينبغي تعزيز استقلال القرار الحزبي عن شبكات المصالح والولاءات الشخصية، حتى يستعيد الحزب وظيفته باعتباره مؤسسة لإنتاج النخب والأفكار والسياسات.
إن بناء نظام حزبي ديمقراطي يفترض وجود أحزاب مستقلة وقادرة على اتخاذ قراراتها بعيداً عن أي تدخل غير مشروع. لذلك يشكل حياد الدولة تجاه التنافس الحزبي شرطاً أساسياً لقيام حياة سياسية سليمة.
فالتحول الديمقراطي لا يحتاج فقط إلى تعدد الأحزاب، بل يحتاج إلى تكافؤ شروط التنافس بينها، واحترام استقلاليتها، وضمان خضوعها جميعاً للقانون.
يتضح مما سبق أن التعددية الحزبية لا تمثل في ذاتها عائقاً أمام التحول الديمقراطي بالمغرب، وإنما تتحول إلى عائق عندما تصبح تعددية عددية لا تقابلها تعددية حقيقية في المشاريع والبرامج والاختيارات. فالمشكلة ليست في وجود أحزاب كثيرة، وإنما في طبيعة هذه الأحزاب، وفي درجة استقلاليتها، وفي مستوى ديمقراطيتها الداخلية، وفي قدرتها على تمثيل المجتمع وتأطيره وإنتاج البدائل السياسية.
ومن ثم، فإن تجاوز أزمة التعددية لا يمر عبر تقليص عدد الأحزاب بصورة إدارية، بل عبر إعادة بناء الحياة الحزبية على أسس الديمقراطية الداخلية، والتمايز البرامجي، والاستقلالية، والشفافية، والمساءلة، وتجديد النخب، وعقلنة التحالفات والمنظومة الانتخابية.
إن الرهان الحقيقي للتحول الديمقراطي بالمغرب هو الانتقال من تعددية تقوم على كثرة التنظيمات إلى تعددية تقوم على قوة المؤسسات السياسية؛ ومن حزب انتخابي موسمي إلى حزب مجتمعي دائم؛ ومن تحالفات تفرضها الحسابات العددية إلى تحالفات يؤسسها التقارب السياسي والبرنامجي.
وعليه، فإن إصلاح المنظومة الحزبية لا ينبغي أن يُفهم باعتباره إصلاحاً تقنياً محدوداً، بل باعتباره جزءاً من سؤال أوسع يتعلق بطبيعة الدولة والمجتمع والتمثيل السياسي وموقع المواطن في صناعة القرار. وهنا يظل السؤال مفتوحاً: هل يمكن بناء تحول ديمقراطي فعلي دون إعادة تعريف وظيفة الحزب السياسي نفسه، والانتقال به من مجرد وسيط انتخابي إلى مؤسسة ديمقراطية لإنتاج الإرادة السياسية والمصلحة العامة؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى