أ – في اللحظة التي تعيش فيها الشعوب العربية والإسلامية ضروبًا من المآسي والانكسارات والاختلالات بالغة الخطورة، تهدد وجودها البنيوي حالا ومآلا، يطل علينا بعض فقهاء وخطباء بعض الأقطار الإسلامية، أستثني منهم طبعًا رجال المعرفة الخصبة والثقافة الرفيعة والوعي المتوقد، ينصحون بل يدعون إلى ترك عادة الاحتفال بذكرى مولد النبي محمد عليه السلام، بدعوى أن تاريخنا الديني لم يعرف هذا النوع من “الاحتفال” على الأقل من قبل الصحابة والتابعين، والحال أن هذا التاريخ الذي يتحدثون عنه بحماس لا يخلو من تشدد ، لم يعرف ممارسات منحطة وكارثية مختلفة، أضحت “جزءًا لا يتجزأ” من واقعنا اليومي المؤلم، من قبيل خرافات الطرقيين ومزاعم أدعياء التصوف المفترى عليه.
ب – أيها الفقهاء المحترمون المبجلون! اتركوا عباد الله يمارسون طقوسهم ومسلكياتهم المألوفة، ما دامت لا تشكل أي انزياح عن قواسم الشعوب المشتركة، ولا تمثل أي خروج عن جوهر ديننا الحنيف، الذي نزل خصيصًا لإخراج الناس من ظلمات الجهالة والبغي إلى نور العلم والإنصاف والعقل. فمن شاء أن يحتفل بالذكرى العطرة لمولد خاتم الأنبياء والمرسلين محمد صلى الله عليه وسلم وهو يستحضر الصفحات المضيئة من كتاب النبوية المحمدية الحافلة بقيم التآزر والمحبة والتسامح فله ذلك، ومن أبى فهذا قراره واختياره وقناعته الشخصية!
ج – ما يحتاجه المسلمون هنا والآن، هو خطاب العقل المتنور الداعي إلى استنبات قيم العدل والحرية والكرامة الإنسانية، ومحاربة تجليات الاستبداد والفساد والعبودية، ونزعات التبرك بالأولياء وزيارة الأضرحة! كفى من الاستخفاف بعقول المعذبين في الأرض والمحرومين من العيش الكريم، كفى من إلهاء الناس عما يعود عليهم بالخير والصلاح! كفى من الانغماس في حمأة المعارك الوهمية والخلافات المصطنعة غير المجدية! إن نبي الهدى والتقوى والفلاح محمد عليه الصلاة والسلام كان خلقه القرآن، حيث جسد الرحمة والصدق والعدل والحلم والشجاعة والرأفة والتسامح والعفو.. على أرض الواقع، وجعل كل هذه الصفات النبيلة كائنات ملموسة، أحالت ما كان في حساب الجاهلية والسفه والطيش علما ورقيا وحضارة.