برحيل عبد الرحمن لخصاصي، نفقد باحثاً اختار أن ينظر إلى الشاي من زاوية تتجاوز تاريخ المشروب وعادات استهلاكه، ليرى فيه جانباً من الثقافة المغربية وذاكرتها. ولعل قيمة كتابه، الذي ألّفه بالاشتراك مع عبد الأحد السبتي، «من الشاي إلى الأتاي: العادة والتاريخ»، لا تكمن فقط في موضوعه، وإنما أيضاً في الطريقة التي انفتح بها هذا الموضوع على الفن والأدب والذاكرة الشعبية.
ومن أجمل ما يلفت الانتباه في الكتاب استحضاره لناس الغيوان ولنص عبد الله زريقة «رأيت المغرب كله في البراد». بهذا الاختيار، يصبح الشاي أكثر من مجرد مشروب؛ إنه يتحول إلى علامة ثقافية تختزن الذاكرة وأنماط العيش والعلاقات الاجتماعية.
عند ناس الغيوان، في أغنية «الصينية»، تتحول واحدة من أدوات جلسة الشاي إلى حامل للذاكرة. فالصينية ليست مجرد صينية؛ إنها تستدعي الجلسة والأصدقاء والأهل والزمن الذي كان يجمعهم حول البراد. وهكذا يتحول الشيء اليومي إلى رمز، ويتحول الطقس الاجتماعي إلى أغنية وذاكرة مشتركة.
أما عبد الله زريقة، فيختصر هذا المعنى كله في عبارته المدهشة: «رأيت المغرب كله في البراد». فالبراد، الذي يبدو شيئاً بسيطاً ومألوفاً، يتحول إلى صورة لمغرب كامل: مغرب الضيافة والجلسة والألفة والذاكرة والعلاقات الإنسانية.
وهنا تتقاطع تجارب الثلاثة: لخصاصي يقرأ الثقافة من خلال تاريخ الشاي، وناس الغيوان تستحضر الذاكرة من خلال الصينية، وزريقة يرى المغرب كله في البراد.
إنها، في النهاية، طريقة واحدة في النظر إلى الثقافة: البحث عن المعاني الكبرى في الأشياء الصغيرة. فالشاي لم يعد مجرد مادة للاستهلاك، والبراد لم يعد مجرد إناء، والصينية لم تعد مجرد أداة للتقديم؛ بل أصبحت جميعها علامات على طريقة مغربية في الاجتماع والعيش وتقاسم الذاكرة.
ومن هذه الزاوية، يمكن اعتبار استحضار لخصاصي لناس الغيوان وزريقة في كتابه أكثر من مجرد استشهاد أدبي أو فني؛ إنه اعتراف بأن الثقافة لا تُكتب فقط في الوثائق والكتب، بل تُغنّى أيضاً، وتُقال شعراً، وتُعاش في تفاصيل الحياة اليومية.
رحم الله عبد الرحمن لخصاصي. لقد ترك لنا، من خلال الشاي والبراد والصينية، درساً بسيطاً وعميقاً: أن الأشياء التي نراها ونستعملها كل يوم قد تختزن في داخلها تاريخاً كاملاً، وأن فهم الثقافة قد يبدأ أحياناً من أبسط الأشياء وأكثرها حضوراً في حياتنا اليومية.