ثقافة و فن
من الشاي إلى الأتاي: حين يكشف مشروب يومي تاريخ المجتمع المغربي
قراءة في كتاب عبد الأحد السبتي وعبد الرحمن لخصاصي «من الشاي إلى الأتاي: العادة والتاريخ»

الحنبلي عزيز -تنوير
مقدمة: عندما يصبح كأس الشاي مدخلاً لقراءة المجتمع
قد يبدو الشاي، للوهلة الأولى، موضوعاً بسيطاً لا يتجاوز مجال الغذاء والعادات اليومية، غير أن كتاب «من الشاي إلى الأتاي: العادة والتاريخ» لعبد الأحد السبتي وعبد الرحمن لخصاصي يحول هذا المشروب المألوف إلى نافذة واسعة لفهم تحولات المجتمع المغربي. فالسؤال الذي يوجه العمل لا يتعلق فقط بتاريخ وصول الشاي إلى المغرب، بل بالمسار الذي جعل مادة وافدة تتحول تدريجياً إلى «الأتاي»؛ أي إلى عادة راسخة وطقس اجتماعي وعلامة ثقافية ترتبط في المخيال العام بالضيافة والكرم والاجتماع والهوية المغربية.
يشير تقديم الكتاب إلى أن فكرة البحث بدأت منذ سنة 1990، في سياق نقاش أوسع حول العلاقة بين الثقافة المكتوبة والثقافة الشفوية، والثقافة العالمة والثقافة الشعبية. ومع تقدم البحث، تحول الشاي من مجرد موضوع تاريخي إلى أداة لفهم العلاقة بين الذاكرة والتاريخ، وبين تداول الأشياء وتحول معانيها الاجتماعية.
تكمن أهمية هذا العمل في أنه يضع ممارسة يومية تحت مجهر التاريخ والسوسيولوجيا والأنثروبولوجيا. فالبراد والصينية والكأس والسكر والنعناع ليست مجرد أشياء، بل عناصر داخل نظام من الرموز والعلاقات والقواعد الاجتماعية. ومن هنا يصبح السؤال الأساسي: كيف يصنع المجتمع عاداته؟ وكيف يتحول الجديد إلى مألوف، والمألوف إلى تقليد، ثم يصبح التقليد جزءاً من صورة الجماعة عن نفسها؟
الجزء الأول: من تاريخ الشاي إلى سوسيولوجيا «الأتاي»
من سلعة وافدة إلى عادة مغربية
ينطلق الكتاب من مفارقة أساسية: الشاي اليوم حاضر بقوة في الحياة المغربية، إلى درجة أن تصور الضيافة المغربية من دونه يبدو صعباً. لكن هذا الحضور ليس أزلياً، بل هو حصيلة مسار تاريخي طويل من الانتقال والانتشار وإعادة التملك.
وهنا تكمن الدلالة العميقة لعنوان «من الشاي إلى الأتاي». فالأمر لا يتعلق فقط بانتقال لغوي من تسمية إلى أخرى، وإنما بتحول ثقافي. «الشاي» يحيل إلى المادة الوافدة، أما «الأتاي» فيحيل إلى المنتوج بعد أن أعاد المجتمع المغربي دمجه داخل عالمه الخاص، ومنحه طريقة في التحضير والتقديم والاستهلاك، وربطه بمعاني الضيافة واللقاء والألفة.
ينظم المؤلفان القسم الأول حول أربعة محاور رئيسية: «محطات ودلالات»، «الغذاء والمجتمع والزمن»، «وظائف المشروب الوطني»، ثم «امتدادات». أما القسم الثاني، فيجمع مجموعة واسعة من الشواهد والنصوص تحت عناوين مثل «قبل الأتاي»، و«مرحلة الميلاد»، و«بين الرفض والإقبال»، و«طقوس وقيم»، ثم «الحلية والحرمة»، و«منافع ومضار»، و«شاييات وأنغام».
هذه البنية تكشف أن المؤلفين لا يقدمان سرداً كرونولوجياً بسيطاً، بل يعيدان تركيب تاريخ العادة انطلاقاً من آثار متناثرة: وثائق، مخطوطات، روايات، أدب، شعر، إعلانات، شهادات، رحلات وصور.
الغذاء ليس مجرد حاجة بيولوجية
في محور «الغذاء والمجتمع والزمن» يبتعد البحث عن المقاربة التي تختزل الطعام والشراب في الوظيفة الغذائية. فالغذاء ممارسة اجتماعية تتداخل فيها الأبعاد الاقتصادية والثقافية والاجتماعية والذوقية والتاريخية.
لهذا فإن السؤال لا يصبح فقط: ماذا يشرب الناس؟ بل أيضاً: من يشرب؟ مع من؟ وفي أي وقت؟ وبأي أدوات؟ ومن يعد المشروب؟ ومن يقدم الكأس؟ وما القواعد غير المكتوبة التي تنظم الجلسة؟
هذه التفاصيل هي التي تحول الأتاي إلى فعل اجتماعي. فطريقة التقديم قد تعبر عن الاحترام، ونوعية الأواني قد تشير إلى المكانة، واستقبال الضيف بالشاي يحمل رسالة اجتماعية تتجاوز القيمة المادية للمشروب.
ومن هذه الزاوية يقترب الكتاب من تقاليد السوسيولوجيا التي تنظر إلى الذوق والممارسات الثقافية باعتبارها موزعة اجتماعياً. ففي كتاب «La Distinction»، أبرز بيير بورديو أن الأذواق وأنماط العيش لا تنفصل عن المواقع الاجتماعية، وأن ما يبدو اختياراً فردياً بسيطاً يمكن أن يحمل آثاراً للتراتبية والتمييز الاجتماعي. وبورديو نشر هذا العمل سنة 1979 بعنوان La Distinction: Critique sociale du jugement.
ولا يعني ذلك أن السبتي ولخصاصي يطبقان نظرية بورديو بصورة مباشرة، بل إن قراءة الأتاي من زاوية الذوق والأواني وكيفيات التقديم تسمح بفتح حوار نظري مع مفهوم التمييز الاجتماعي.
الأتاي بوصفه «مشروباً وطنياً»
تكتسب عبارة «وظائف المشروب الوطني» أهمية مركزية في الكتاب. فكيف يصبح منتوج لم ينشأ داخل المغرب رمزاً من رموزه الثقافية؟
يبرز المؤلفان، من بين ما يبرزان، وظيفتين مترابطتين: الوظيفة الاقتصادية والوظيفة الرمزية.
اقتصادياً، يقود تاريخ الشاي إلى التجارة الدولية، والموانئ، والاستيراد، والسكر، ومسالك التوزيع والأسواق. وهو ما يجعل كأس الشاي الموجودة داخل البيت المغربي مرتبطة بتاريخ اقتصادي يتجاوز الحدود الوطنية.
لكن المادة لا تظل أسيرة أصلها التجاري. فبعد دخولها المجتمع تبدأ حياة اجتماعية أخرى. وهذا قريب مما طرحه أرجون أبادوراي في كتابه الجماعي The Social Life of Things: Commodities in Cultural Perspective الصادر سنة 1986، حيث تتم دراسة السلع من خلال حركتها والمعاني التي تكتسبها وهي تنتقل بين السياقات الاجتماعية.
والأتاي مثال واضح على ذلك: السلعة الوافدة لا تبقى كما هي؛ المجتمع يعيد إنتاج معناها.
من الاستهلاك إلى الطقس
عندما تصبح طريقة إعداد الشاي محكومة بسلسلة من الأفعال المتكررة، نكون أمام أكثر من عملية تقنية.
هناك ماء وحرارة وشاي وسكر ونعناع، لكن هناك أيضاً ترتيب للحركات، واختيار للأواني، وتقدير للمقادير، وطريقة للصب، وتسلسل في تقديم الكؤوس.
وهكذا يتحول الفعل اليومي إلى طقس اجتماعي.
وفي صفحات الوظيفة الرمزية، يظهر كيف يرتبط الشاي بالضيافة والمكانة وطريقة استقبال الآخرين، وكيف يمكن للأواني وطرق الاستهلاك أن تحمل دلالات اجتماعية تتجاوز وظيفتها المباشرة.
إن الأتاي، بهذا المعنى، لا يُشرب فقط؛ بل يُقدَّم ويُعرض ويُتقاسم.
والجلسة نفسها تصبح فضاءً للتفاعل: تُتداول الأخبار، وتتشكل العلاقات، وتستعاد الذكريات، وتُستقبل الضيوف، وربما تُحل الخلافات أو تُعقد الاتفاقات.
الجزء الثاني: العادة والذاكرة والهوية… ما الذي يضيفه الكتاب إلى السوسيولوجيا المغربية؟
العادة ليست شيئاً أزلياً
أبرز ما يقدمه الكتاب هو تفكيك الفكرة الشائعة التي تربط التقليد دائماً بالقدم.
فتاريخ الأتاي يكشف مساراً مختلفاً:
الجديد → التكرار → الاعتياد → القبول → الطقس → التقليد.
وبمرور الزمن يختفي وعي المجتمع بلحظة البداية، فتبدو الممارسة كما لو كانت موجودة دائماً.
وهنا تلتقي نتائج الكتاب مع الإشكالية التي طرحها إريك هوبزباوم وتيرينس رينجر في كتاب The Invention of Tradition الصادر سنة 1983، والذي بين أن ممارسات كثيرة تبدو مرتبطة بماضٍ بعيد قد تكون حديثة التكوين، وأن التكرار والطقوس يساهمان في إكسابها إحساساً بالاستمرارية التاريخية.
لكن ينبغي التأكيد أن مفهوم «اختراع التقليد» ليس الإطار النظري المعلن لكتاب السبتي ولخصاصي؛ وإنما يساعد، من الخارج، في تفسير واحدة من أهم نتائجه: التقاليد نفسها لها تاريخ.
الذاكرة: لماذا ننسى أن العادة كانت جديدة؟
عندما يترسخ الأتاي في الحياة اليومية، يصبح من الصعب على الأجيال اللاحقة تخيل مجتمع مغربي لم يكن يشربه بالطريقة نفسها.
هنا يصبح الكتاب أيضاً بحثاً في العلاقة بين التاريخ والذاكرة.
فالذاكرة لا تحتفظ بكل شيء. إنها تعيد بناء الماضي انطلاقاً من الحاضر. وهذا يلتقي مع أطروحة موريس هالبفاكس حول الذاكرة الجماعية؛ إذ يرى أن الذاكرة تعمل داخل أطر اجتماعية جماعية، وأن الجماعات تعيد تشكيل صور الماضي بحسب أوضاعها الراهنة. ويجمع كتاب On Collective Memory الصادر بالإنجليزية سنة 1992 مجموعة من أعماله الأساسية حول البناء الاجتماعي للذاكرة.
من هنا تصبح وظيفة البحث التاريخي هي إعادة الزمن إلى ما محته الألفة اليومية.
فالسؤال ليس: هل الأتاي مغربي؟
بل: كيف أصبح مغربياً؟
الثقافة المادية: البراد والصينية والكأس
يمنح الكتاب للأشياء مكانة مركزية.
فالبراد والصينية والكؤوس ليست خلفية صامتة للمشهد الاجتماعي؛ إنها تشارك في إنتاجه.
ومن خلال الأشياء يمكن قراءة الذوق والكرم والمكانة والجمال والذاكرة.
هنا تبرز أهمية الثقافة المادية: فالأشياء لا تملك قيمة استعمالية فقط، وإنما تكتسب معاني اجتماعية ورمزية.
ولهذا يمكن للبراد أن يتحول إلى صورة للمغرب، وللصينية أن تصبح موضوعاً للأغنية والحنين والذاكرة.
وحين تدخل هذه الأشياء إلى الشعر والأدب والأغنية الشعبية فإنها تنتقل من المستوى المادي إلى المستوى الرمزي.
ناس الغيوان وعبد الله زريقة: حين تتكلم الذاكرة بلغة الفن
تكمن إحدى خصائص الكتاب في عدم حصر مصادر المعرفة في الوثيقة الإدارية أو التاريخية التقليدية. فالمقدمة تؤكد اهتمام المؤلفين بتجاوز الفصل الحاد بين المكتوب والشفوي وبين الثقافة العالمة والثقافة الشعبية.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم استحضار «الصينية» لدى ناس الغيوان أو حضور البراد والأتاي في الأدب والشعر.
فالفن لا يخبرنا فقط عما حدث، بل يخبرنا بما يعنيه الشيء للناس.
الصينية قد تستحضر الرفقة والجماعة والزمن المشترك.
والبراد قد يتحول إلى تكثيف رمزي للضيافة والمغرب والحميمية.
وهنا يصبح الأدب والأغنية مصدرين لفهم التمثلات الاجتماعية.
الحياة اليومية كموضوع للعلم
من أهم إسهامات الكتاب أنه يعيد الاعتبار إلى العادي واليومي.
وهذا التقاطع يذكر بمشروع ميشيل دو سيرتو في The Practice of Everyday Life، الذي جعل من الممارسات العادية وطرق استعمال الناس للأشياء والفضاءات موضوعاً أساسياً لفهم المجتمع؛ فالكتاب نفسه ينظم جزءاً رئيسياً تحت عنوان «ثقافة عادية جداً» ويناقش الاستخدامات والممارسات اليومية.
وبالمثل، لا يحتاج السبتي ولخصاصي إلى الانطلاق من الدولة أو المؤسسة السياسية لفهم التحول الاجتماعي.
إنهما ينطلقان من كأس الأتاي.
لكن خلف الكأس نجد الاقتصاد والتجارة والطبقات والجندر والضيافة والدين والذاكرة واللغة والعالم الخارجي.
وهذه هي قوة المقاربة الميكروسوسيولوجية والتاريخية في الكتاب.
التملك الثقافي: الهوية ليست انغلاقاً
يكشف الكتاب أن المجتمع المغربي لم يتلق الشاي بطريقة سلبية.
لقد أعاد تشكيله.
فالمادة المستوردة أصبحت مرتبطة بالسكر والنعناع، ثم بقواعد إعداد وتقديم، ثم بأوانٍ وطقوس وأشكال من الضيافة، إلى أن أصبح «الأتاي» يحمل دلالات مغربية مميزة.
وهنا يمكن الحديث عن التملك الثقافي أو «المغربة الاجتماعية» للمنتوج.
فالهوية لا تتكون فقط مما هو محلي في الأصل، وإنما أيضاً من قدرة المجتمع على استقبال الوافد وتحويله وإعادة تفسيره وإدماجه في نظامه الرمزي.
وهذه نتيجة مهمة لأنها تخرج مفهوم الهوية من التصورات الجامدة.
فالهوية، من هذا المنظور، ليست مخزوناً ثابتاً، بل بناء تاريخي متحرك.
المقاربة المنهجية: قوة الكتاب في تعدد مصادره
ينتمي العمل إلى ما يمكن وصفه بـ السوسيو-تاريخ أو الأنثروبولوجيا التاريخية للحياة اليومية.
فالكاتب لا يدرس الشاي فقط في الحاضر، ولا يكتفي بإعادة بناء تاريخه؛ بل يربط بين الاثنين.
ويستعمل لذلك طيفاً واسعاً من المصادر: مخطوطات، روايات، شهادات، نصوص أدبية، شعر، صحافة، إعلانات، رواية شفوية، نصوص أجنبية وصور.
وتكشف صفحات الكتاب مثلاً عن استعمال الإعلانات التجارية القديمة للشاي باعتبارها وثائق تاريخية تسمح بقراءة استراتيجيات التسويق والتحولات في الاستهلاك.
وهذه التعددية تمنح العمل قوة كبيرة، لكنها تطرح أيضاً سؤالاً نقدياً: هل تتمتع كل المصادر بالقيمة الإثباتية نفسها؟
بالطبع لا.
فشهادة الرحالة ليست كوثيقة تجارية، والقصيدة ليست كالسجل التاريخي، والذاكرة الشفوية ليست نسخة مطابقة لما جرى.
غير أن قيمة الكتاب تكمن في المقارنة بين هذه الأصوات وليس في اختزال الحقيقة في مصدر واحد.
قراءة نقدية: بين الغنى الوثائقي وحدود التعميم
يمكن تسجيل عدد من الملاحظات العلمية على العمل.
أولاً، يؤدي ثراء المصادر أحياناً إلى درجة كبيرة من التشتت؛ إذ يحتاج القارئ إلى الانتقال المستمر بين التاريخ الاقتصادي والمادة الأدبية والذاكرة والممارسة الاجتماعية.
ثانياً، يظل البناء النظري في أجزاء من الكتاب ضمنياً أكثر منه مصاغاً في نموذج مفاهيمي صريح. ولذلك يمكن للقارئ السوسيولوجي المعاصر إعادة تنظيم مادته حول مفاهيم مثل العادة والطقس والذاكرة والتمييز والتملك الثقافي.
ثالثاً، ينبغي التعامل بحذر مع روايات الرحالة والمراقبين الأجانب، لأن وصف «الآخر» قد يحمل تصورات استشراقية أو تعميمات ثقافية. ولذلك فإن هذه النصوص تصلح لدراسة المجتمع المغربي، لكنها تصلح أيضاً لدراسة نظرة المراقب إلى المغرب.
وأخيراً، الكتاب ليس تحقيقاً كمياً أو مسحاً إحصائياً، ولا يدعي تمثيل جميع الفئات والمناطق بالدرجة نفسها. قوته الأساسية تكمن في تفسير المسار والمعنى وليس في حساب النسب.
إسهام «من الشاي إلى الأتاي» في السوسيولوجيا المغربية
يمكن تلخيص القيمة العلمية للكتاب في خمسة إسهامات كبرى.
أولها أنه منح الحياة اليومية شرعية كاملة باعتبارها موضوعاً سوسيولوجياً.
وثانيها أنه فكك مفهوم الأصالة، مبيناً أن الممارسات التي تبدو اليوم متجذرة قد تكون حصيلة تحولات تاريخية حديثة نسبياً.
وثالثها أنه ربط المحلي بالعالمي؛ فالأتاي المغربي يقودنا إلى التجارة الدولية والصين وأوروبا والموانئ والأسواق، ثم يعيدنا إلى البيت والجلسة العائلية.
ورابعها أنه أبرز قدرة المجتمع على إعادة تملك الوافد وصياغته ثقافياً.
أما الإسهام الخامس فيتمثل في نجاحه في الجمع بين التاريخ والسوسيولوجيا والأنثروبولوجيا والأدب والذاكرة داخل موضوع واحد.
خاتمة: المغرب في كأس أتاي
لا تكمن أهمية «من الشاي إلى الأتاي: العادة والتاريخ» في أنه يخبرنا متى وصل الشاي إلى المغرب فحسب، بل في أنه يعلمنا كيف ننظر إلى المجتمع.
فخلف التفاصيل الأكثر بساطة قد توجد تحولات تاريخية عميقة.
والعادة ليست معطى طبيعياً.
والتقليد ليس بالضرورة قديماً.
والهوية لا تقوم فقط على الاستمرار، بل كذلك على التحول والتملك وإعادة إنتاج المعنى.
لقد انتقل الشاي من سلعة عابرة للحدود إلى ممارسة، ثم من ممارسة إلى عادة، ومن عادة إلى طقس، ومن طقس إلى ذاكرة، ومن ذاكرة إلى علامة من علامات الثقافة المغربية.
ويمكن اختصار المسار الذي يكشفه الكتاب في الصيغة التالية:
الشاي → الاستهلاك → الاعتياد → الطقس → الأتاي → الذاكرة → الهوية.
وهنا تكمن قوة الكتاب: إنه لا يقدم تاريخ مشروب فحسب، بل يقدم، من خلال المشروب، تاريخاً مصغراً للمجتمع المغربي وتحولاته.
مراجع نظرية موازية للقراءة
-
السبتي، عبد الأحد؛ لخصاصي، عبد الرحمن، من الشاي إلى الأتاي: العادة والتاريخ، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، الرباط، سلسلة بحوث ودراسات، ط. 1، 1999.
-
Bourdieu, Pierre, La Distinction: Critique sociale du jugement, Paris, Éditions de Minuit, 1979.
-
Hobsbawm, Eric & Ranger, Terence (dir.), The Invention of Tradition, Cambridge University Press, 1983.
-
Halbwachs, Maurice, On Collective Memory, University of Chicago Press, 1992.
-
Appadurai, Arjun (ed.), The Social Life of Things: Commodities in Cultural Perspective, Cambridge University Press, 1986.
-
de Certeau, Michel, The Practice of Everyday Life, University of California Press.



