تنوير -متابعة
لم تعد مواجهة الهدر المدرسي في صفوف الفتيات بالمناطق القروية والنائية قابلة للاختزال في توفير حافلات النقل المدرسي فقط، إذ تتطلب الظاهرة مقاربة شاملة تضمن استمرارية المسار الدراسي وتحمي التلميذات من مختلف العوامل التي قد تدفعهن إلى الانقطاع.
ورغم الأهمية الكبيرة للنقل المدرسي، فإنه لا يمثل سوى جزء من منظومة متكاملة ينبغي أن تشمل الإيواء والإطعام والسلامة والمواكبة الاجتماعية والنفسية والتربوية، بما يسمح للفتيات بالالتحاق بالمؤسسات التعليمية والاستمرار فيها إلى غاية إتمام الدراسة.
وتزداد التحديات حدة خلال مراحل الانتقال بين الأسلاك التعليمية، خصوصاً من الابتدائي إلى الإعدادي، ثم إلى الثانوي التأهيلي، حيث تتداخل عوامل متعددة، من بينها بعد المؤسسات التعليمية وتشتت الدواوير وصعوبة التنقل، إلى جانب ضعف خدمات الإيواء والتغذية وغياب مرافق صحية ملائمة، فضلاً عن الهشاشة الاقتصادية وبعض الموروثات الاجتماعية والأسرية.
وفي هذا السياق، لا يعني توفير وسيلة للنقل المدرسي بالضرورة تحقق جميع شروط الاستمرار في الدراسة، خاصة عندما تكون التلميذة مطالبة بقطع مسافات طويلة أو مواجهة ظروف يومية مرهقة تؤثر على انتظامها في الحضور ومستوى تحصيلها واستقرارها النفسي.
وتبرز معطيات التقرير السنوي للمجلس الأعلى للحسابات برسم 2024-2025 الدور المهم الذي تلعبه مؤسسات دور الطالب والطالبة، إذ بلغ عددها مع نهاية سنة 2024 ما مجموعه 1067 مؤسسة، استقبلت 84 ألفاً و879 مستفيداً ومستفيدة خلال الموسم الدراسي 2023-2024.
وتشكل الفتيات حوالي 56 في المائة من مجموع المستفيدين، وهو ما يعكس أهمية هذه المؤسسات في دعم التمدرس والحد من الانقطاع عن الدراسة، خصوصاً في صفوف المنحدرين من المناطق القروية والأسر ذات الدخل المحدود.
ومن بين الإشكالات التي تستوجب الانتباه ما يمكن وصفه بـ”الهدر المدرسي الصامت”، حيث لا يحدث الانقطاع عن الدراسة دائماً بشكل مفاجئ، بل يبدأ في أحيان كثيرة بغيابات متكررة وتأخر عن الحصص وإرهاق يومي وتراجع تدريجي في مستوى التحصيل، قبل أن يتحول إلى فقدان الدافعية ثم مغادرة المدرسة نهائياً.
وتفرض هذه الوضعية اعتماد مقاربة استباقية بدل انتظار تسجيل حالات الانقطاع رسمياً، وذلك من خلال تطوير آليات للإنذار المبكر داخل المؤسسات التعليمية، تقوم على تتبع نسب الغياب والتأخر والتعثر الدراسي والتدخل السريع قبل وصول التلميذة إلى مرحلة التسرب.
كما يظل التنسيق بين إدارة المؤسسة والأسرة والجماعات الترابية والفاعلين الاجتماعيين والمجتمع المدني أمراً أساسياً، خصوصاً خلال المراحل الانتقالية الحساسة بين مختلف الأسلاك التعليمية.
وفي المحصلة، فإن نجاح سياسات محاربة الهدر المدرسي لا ينبغي أن يقاس فقط بعدد الحافلات الموزعة أو بحجم الاعتمادات المرصودة، بل أساساً بعدد الفتيات اللواتي تم ضمان بقائهن داخل المدرسة وتمكينهن من إتمام مسارهن الدراسي، بما يفرض الانتقال من مجرد “نقل التلميذة” إلى حماية مسارها الدراسي بالكامل.