مجتمع

تحالف اليسار يكشف برنامجه لانتخابات 2026.. ملكية برلمانية و5 آلاف درهم حداً أدنى للأجر و162 ملياراً لتمويل «مغرب الكرامة»

الحنبلي عزيز -البيضاء

دخل تحالف اليسار، المشكل من حزب فيدرالية اليسار الديمقراطي والحزب الاشتراكي الموحد، غمار الاستحقاقات التشريعية لسنة 2026 ببرنامج سياسي وانتخابي يمتد إلى أفق 2031، اختار له شعار «الكرامة أولاً»، واضعاً في صلبه مشروعاً لـ«مغرب ديمقراطي، منتج وعادل»، يقوم، بحسب الوثيقة، على دولة الحق والقانون، واقتصاد الإنتاج والسيادة، ومجتمع الكرامة والمساواة.

ولا يقدم التحالف برنامجه باعتباره حزمة من التدابير القطاعية المنفصلة، بل كمشروع يسعى إلى إحداث تحول متزامن في بنية الدولة والاقتصاد والسياسات الاجتماعية. فالوثيقة تنطلق من اعتبار أن الأزمة التي يعيشها المغرب ليست، في نظر أصحاب البرنامج، مجرد أزمة تدبير حكومي ظرفية، وإنما «أزمة نموذج» ذات أبعاد سياسية واقتصادية واجتماعية، تستدعي إصلاحاً يربط الديمقراطية بالتنمية والعدالة الاجتماعية والسيادة الاقتصادية.

ويتمحور البرنامج حول خمسة أوراش كبرى: الإصلاح السياسي والملكية البرلمانية، والتحول نحو اقتصاد الإنتاج والسيادة، وبناء مجتمع للكرامة والعدالة الاجتماعية، وتعزيز السيادة الوطنية وحقوق مغاربة العالم، ثم «ميثاق للتمويل السيادي» يراد منه توفير الموارد اللازمة لتمويل الالتزامات المعلنة.

الملكية البرلمانية في قلب المشروع السياسي

في الشق السياسي، يضع تحالف اليسار مطلب الملكية البرلمانية في صدارة برنامجه، مقترحاً إصلاحاً دستورياً ومؤسساتياً يجعل الحكومة المنبثقة عن الأغلبية البرلمانية مسؤولة عن ممارسة السلطة التنفيذية، مع تعزيز سلطات البرلمان التشريعية والرقابية، والفصل بين السلط وتوسيع آليات المشاركة الديمقراطية.

ويعتبر التحالف أن الملكية البرلمانية، وفق تصوره، تتيح للملكية الاضطلاع بدور الضامن لاستمرارية الدولة ووحدتها واستقرارها، مقابل حكومة مسؤولة سياسياً أمام البرلمان وبرلمان يمارس كامل وظائفه التشريعية والرقابية. كما يقترح ضمان حياد الإدارة والسلطة خلال الانتخابات وإنشاء شروط يعتبرها ضرورية لاستعادة الثقة في العملية السياسية.

ويشمل هذا الورش أيضاً توسيع اختصاصات الجماعات الترابية، وتقليص الوصاية الإدارية لفائدة رقابة قانونية بعدية، إلى جانب تعزيز استقلال القضاء، وتقوية مؤسسات الرقابة والحكامة.

وفي ملف الحقوق والحريات، يتعهد البرنامج بإطلاق سراح معتقلي الرأي والحراكات الاجتماعية وإسقاط المتابعات المرتبطة بالتعبير والاحتجاج السلمي، فضلاً عن ضمان حرية الصحافة والتنظيم والتظاهر وحرية الضمير والولوج إلى المعلومة.

مواجهة الفساد والريع.. الإثراء غير المشروع في الواجهة

ويخصص البرنامج مساحة واسعة لمحاربة الفساد، إذ يقترح تجريم الإثراء غير المشروع وإقرار منظومة متقدمة لتضارب المصالح وتعميم التصريح بالممتلكات والمصالح، إلى جانب تقوية صلاحيات الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها.

كما يقترح تحالف اليسار قانوناً موحداً للنزاهة والشفافية، مع وضع قواعد أكثر صرامة لتضارب المصالح وحماية المبلغين عن الفساد وربط المسؤوليات العمومية بآليات للمراقبة والمحاسبة.

ويذهب البرنامج أبعد من العقوبات الجنائية، داعياً إلى نشر معطيات الصفقات والعقود العمومية والمستفيدين الفعليين منها، وتقوية المجلس الأعلى للحسابات والمجالس الجهوية للحسابات، ووضع سياسة لاسترداد الأموال والممتلكات الناتجة عن الفساد.

اقتصاد الإنتاج بدل اقتصاد الريع

اقتصادياً، يطرح التحالف قطيعة واضحة مع النموذج الذي يعتبر أنه يقوم على «الريع والتركيز المالي والانفتاح غير المؤطر»، ويدعو إلى الانتقال نحو اقتصاد يرتكز على التصنيع والإنتاج المحلي والابتكار والسيادة الغذائية والمائية والطاقية والرقمية.

وفي المجال الصناعي، يقترح البرنامج تعزيز التصنيع الوطني والاندماج المحلي ودعم الصناعة التقليدية، مع تدخل أكبر للدولة في توجيه الاستثمار. أما في الفلاحة، فيدعو إلى إعادة توجيه الدعم نحو الفلاح الصغير والمتوسط والفلاحة المعيشية، وتقليص دعم الزراعات التصديرية التي يعتبرها مستنزفة للموارد المائية.

ويخصص البرنامج للماء موقعاً مركزياً، باعتباره «حقاً إنسانياً وملكاً عمومياً»، مع الدعوة إلى الحد من ضياع المياه في شبكات التوزيع وتوسيع إعادة استعمال المياه العادمة.

أما في الطاقة، فيعيد تحالف اليسار طرح ملف مصفاة سامير، مقترحاً استرجاع القدرات الوطنية للتكرير، بالتوازي مع تسريع الانتقال نحو الطاقات المتجددة. ويتضمن البرنامج هدفاً برفع حصة الطاقات المتجددة إلى ما لا يقل عن 55 في المائة من القدرة المنشأة بحلول 2031، إلى جانب رفع نسبة الاندماج المحلي في مشاريع الطاقة المتجددة.

وفي مجال المقاولات، يمنح البرنامج أهمية خاصة للمقاولات الصغيرة والمتوسطة، من خلال اقتراح تخصيص ما لا يقل عن 30 في المائة من الصفقات العمومية لفائدتها، فضلاً عن نافذة رقمية موحدة لإنشاء المقاولة في أجل لا يتجاوز 48 ساعة وتطوير أدوات تمويل بديلة.

الصحة والتعليم والسكن.. «الخدمات ليست سلعة»

أما المحور الاجتماعي فينطلق من مبدأ يعتبر الصحة والتعليم والماء والكهرباء والسكن والولوج الرقمي منافع عامة لا ينبغي أن تحدد القدرة المادية للمواطن فرص الاستفادة منها.

وفي التعليم، يراهن البرنامج على تعزيز المدرسة والجامعة العموميتين، ويتحدث عن تعبئة موارد إضافية تصل في أفق 2031 إلى نحو 19 مليار درهم سنوياً للمنظومة التعليمية بمختلف مكوناتها، بينها 14 ملياراً للتعليم المدرسي والأولي والتكوين المهني، وخمسة مليارات للتعليم العالي والبحث العلمي.

وفي الصحة، يقترح التحالف تعزيز التمويل العمومي للقطاع، وزيادة الموارد البشرية وتوجيه نسبة متزايدة من تدفقات التأمين نحو المؤسسات الصحية العمومية.

ويذهب مسار التنفيذ الوارد في البرنامج إلى استهداف تخصيص ما يعادل 6 في المائة من الناتج للمدرسة و12 في المائة من الميزانية للصحة بحلول 2031، إلى جانب توظيف 15 ألف مهني صحي وفق الجدولة الواردة في الوثيقة.

5 آلاف درهم حداً أدنى للأجر

وتبرز القدرة الشرائية كأحد أكثر أجزاء البرنامج ارتباطاً بالحياة اليومية للمواطنين. إذ يلتزم تحالف اليسار بمسار تدريجي لرفع الحد الأدنى للأجر، يبدأ، وفق الجدولة الواردة في الوثيقة، بـ4100 درهم سنة 2027، ثم 4550 درهماً سنة 2028، وصولاً إلى 5000 درهم صافية سنة 2029.

كما يقترح البرنامج إعفاء الأدوية والمستلزمات الطبية وسلة من المواد الغذائية الأساسية والشطر الأول من الطاقة المنزلية من الضريبة على القيمة المضافة، ورفع عتبة الإعفاء من الضريبة على الدخل إلى 60 ألف درهم سنوياً.

ويطرح كذلك إعادة تقنين أسعار بعض المواد الأساسية، وإنشاء مرصد مستقل للأسعار وهوامش الأرباح، وإلزام نقاط البيع بإظهار السعر الأقصى، مع تعزيز أجهزة مراقبة الأسعار بـ600 مراقب إضافي، وفق الوثيقة.

معاش تضامني وسكن عمومي ودور للحضانة

يتضمن البرنامج أيضاً مساراً لتطوير الحماية الاجتماعية، إذ يستهدف في أفق 2031 منح معاش تضامني بقيمة 1500 درهم لفائدة 1.2 مليون مستفيد، إلى جانب إنشاء 3000 دار للحضانة، وتوسيع برنامج «ضمانة الشغل». كما يتحدث عن تسليم 100 ألف وحدة للسكن العمومي ضمن مسار الولاية.

وفي قضايا النساء، يتبنى التحالف المساواة الكاملة بين النساء والرجال، ويقترح مراجعة التشريعات التي يعتبرها تمييزية، إلى جانب إجراءات مرتبطة بالمناصفة في التمثيل السياسي ومواقع المسؤولية.

السيادة الوطنية.. الصحراء ومغاربة العالم وفلسطين

في السياسة الخارجية، يؤكد البرنامج أن الوحدة الترابية ثابت وطني غير قابل للتفاوض، ويربط تعزيز الموقف المغربي، إلى جانب العمل الدبلوماسي، بتقوية الديمقراطية والتنمية والحكامة داخل البلاد. كما يتبنى سياسة خارجية قائمة، وفق الوثيقة، على عدم الانحياز وتنويع الشراكات وتعزيز التعاون جنوب–جنوب.

ويخصص البرنامج محوراً لحقوق مغاربة العالم وتمثيليتهم السياسية، فيما يعلن موقفاً واضحاً برفض التطبيع والدفاع عن الحقوق الفلسطينية، وهو ما يشكل إحدى السمات السياسية الأكثر وضوحاً في البرنامج الخارجي للتحالف.

162 مليار درهم.. من أين يأتي المال؟

وربما يكون أكثر أجزاء برنامج تحالف اليسار إثارة للنقاش هو الفصل المالي، إذ يضع التحالف رقماً مركزياً يتمثل في تعبئة 162 مليار درهم سنوياً في أفق 2031 لتمويل السياسات الجديدة.

وتعتمد الهندسة المالية المقترحة على زيادة المساهمة الجبائية للثروات والمداخيل والأرباح الكبرى، وفرض ضرائب على بعض الريوع والأرباح الاحتكارية، وتقليص الإعفاءات الجبائية التي يعتبرها البرنامج غير مبررة، إلى جانب مكافحة الغش الضريبي، وتحسين تحصيل الضريبة على القيمة المضافة، وترشيد عدد من نفقات الدولة وإعادة توجيه اعتمادات قائمة.

ويحدد البرنامج مساراً تدريجياً لتعبئة الموارد، يبدأ بـ36 مليار درهم سنة 2027، ثم 70 ملياراً في 2028، و102 مليار في 2029، و130 ملياراً في 2030، وصولاً إلى 162 مليار درهم سنوياً في 2031، مع تقدير إجمالي الموارد المعبأة خلال الولاية بحوالي 500 مليار درهم.

كما يضع ما يسميه «بند الوقاية» في حال حدوث جفاف حاد أو أزمة اقتصادية أو طاقية، بحيث يعطي الأولوية لاستمرار تمويل الصحة والتعليم والمعاش التضامني ومسار الحد الأدنى للأجر، مقابل إمكانية إبطاء بعض الاستثمارات والبرامج الأخرى.

إجراءات فورية وقوانين هيكلية

وعلى مستوى التنفيذ، يخصص البرنامج قسماً للإجراءات ذات الأولوية في بداية الولاية، تشمل رفع عتبة الإعفاء الضريبي، وخفض الضريبة على الأدوية والمواد الأساسية، ورفع الحد الأدنى للأجر إلى 4100 درهم، وإحداث سجل وطني للممتلكات، والتحرك بشأن سامير، ونشر الصفقات العمومية والمستفيدين النهائيين، وتقديم قانون للنزاهة وتجريم تضارب المصالح والإثراء غير المشروع.

كما يتعهد التحالف خلال السنة الأولى بإطلاق حزمة قوانين تهم التعليم والصحة ومدونة الشغل والحد الأدنى للأجر والصيدلة ومدونة الأسرة والشفافية والأمن المائي وإحداث هيئة وطنية مستقلة للانتخابات.

برنامج يساري يضع معركة التنفيذ في الواجهة

من حيث البناء السياسي، يقدم برنامج تحالف اليسار نفسه كبديل يقوم على ثلاثة انتقالات مترابطة: من تمركز السلطة إلى دولة المؤسسات، ومن اقتصاد الريع إلى اقتصاد الإنتاج والابتكار، ومن الهشاشة والإقصاء إلى مجتمع الكرامة والمساواة والعدالة الاجتماعية.

لكن قوة أي برنامج انتخابي لا تقاس فقط بحجم الوعود أو دقة الأرقام، وإنما أيضاً بمدى واقعية فرضيات التمويل، والقدرة التشريعية والمؤسساتية على تنزيل الإصلاحات، وإمكان الحصول على التوافقات السياسية الضرورية لإجراءات عميقة من قبيل الإصلاح الدستوري والجبائي وإعادة هيكلة قطاعات الصحة والتعليم والطاقة.

ويدرك التحالف، على ما يبدو، أن نقطة الاختبار الأساسية ستكون التنفيذ والمحاسبة؛ لذلك يقترح تقريراً سنوياً أمام البرلمان، ولوحة قيادة عمومية تعرض نسبة إنجاز كل التزام، ومرصداً مستقلاً لمتابعة البرنامج، فضلاً عن إلزام المسؤولين بتفسير أي وعد لم ينجز في أجله.

وبذلك يدخل تحالف اليسار انتخابات 2026 بوثيقة تجمع بين مطالب تاريخية لليسار المغربي، وعلى رأسها الإصلاح الديمقراطي والعدالة الاجتماعية، وبين التزامات رقمية ومالية تسعى إلى نقل النقاش من مستوى الشعارات إلى سؤال الكلفة والتمويل والآجال. وسيظل الحكم السياسي والانتخابي على هذا المشروع مرتبطاً، في نهاية المطاف، بمدى اقتناع الناخبين بأن «الكرامة أولاً» قابلة للتحول من عنوان انتخابي إلى سياسات عمومية قابلة للتنفيذ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى