كشفت نتائج البرنامج الدولي لتقييم التلاميذ «PISA» عن استمرار الصعوبات العميقة التي يواجهها النظام التعليمي المغربي في تمكين المتعلمين من الكفايات الأساسية، خصوصاً في الرياضيات والقراءة والعلوم، في وقت أظهرت فيه المؤشرات الجديدة اتساع الفجوة بين أداء التلاميذ المغاربة ومتوسط نظرائهم في دول منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية.
وبحسب النتائج التي نشرتها منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية «OECD» يوم 8 شتنبر 2026، فإن أداء التلاميذ المغاربة البالغين من العمر 15 سنة ظل دون المتوسط الدولي بفارق واضح، مع تسجيل تراجع في الرياضيات والقراءة مقارنة بدورة 2022.
وتعتمد المنظمة المستوى الثاني باعتباره الحد الأدنى للكفاءة، أي المستوى الذي يفترض أن يكون فيه التلميذ قادراً على توظيف ما تعلمه في مواقف بسيطة من الحياة اليومية.
### الرياضيات.. 84 في المائة دون الحد الأدنى للكفاءة
في مادة الرياضيات، سجل المغرب متوسطاً بلغ 355 نقطة، مقابل 463 نقطة كمعدل لدى دول منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية.
ولم يتمكن سوى 16 في المائة من التلاميذ المغاربة من بلوغ المستوى الثاني أو تجاوزه، مقابل 65 في المائة في دول المنظمة، ما يعني أن نحو 84 في المائة من التلاميذ المشاركين بالمغرب ظلوا دون العتبة الأساسية للكفاءة في الرياضيات.
ويعكس هذا المستوى صعوبات في التعامل مع تمثيلات رياضية بسيطة وإجراء عمليات أساسية مرتبطة بوضعيات واقعية، مثل المقارنة بين المسافات أو تحويل الأسعار بين عملتين.
كما سجل المغرب تراجعاً بحوالي 10 نقاط مقارنة بدورة 2022، فيما ارتفعت نسبة التلاميذ الموجودين في مستويات الأداء الضعيف بنحو ثماني نقاط مئوية منذ 2018.
أما فئة المتفوقين، أي التلاميذ الذين بلغوا المستويين الخامس والسادس، فظلت محدودة للغاية، في مقابل متوسط يقارب 8 في المائة داخل دول المنظمة.
### القراءة.. مؤشرات أكثر إثارة للقلق
وتبدو الصورة أكثر قتامة في مجال القراءة، إذ لم يتمكن سوى 13 في المائة من التلاميذ المغاربة من بلوغ المستوى الثاني أو تجاوزه، مقابل 69 في المائة في دول منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية.
وسجل المغرب متوسطاً في حدود 321 نقطة، بانخفاض يقارب 18 نقطة مقارنة بدورة 2022.
ويقتضي بلوغ المستوى الثاني في القراءة القدرة على تحديد الفكرة الرئيسية في نص متوسط الطول، واستخراج المعلومات الأساسية، وفهم الغرض العام من النص.
أما المستويات العليا، فظلت شبه غائبة، إذ تكاد نسبة التلاميذ المغاربة الذين بلغوا المستوى الخامس أو أكثر تنعدم، مقابل معدل يقارب 6 في المائة في دول المنظمة.
كما ارتفعت نسبة التلاميذ ذوي الأداء الضعيف في القراءة بـ14 نقطة مئوية بين 2018 و2025.
### العلوم.. ثلاثة أرباع التلاميذ دون المستوى المطلوب
وفي مجال العلوم، بلغ متوسط المغرب 358 نقطة، مقابل 482 نقطة في دول منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية.
وأظهرت النتائج أن 23 في المائة فقط من التلاميذ المغاربة بلغوا المستوى الثاني أو المستويات الأعلى، ما يعني أن حوالي 77 في المائة ظلوا دون الحد الأساسي للكفاءة العلمية.
ولم تتجاوز نسبة المتفوقين في العلوم، أي الذين بلغوا المستويين الخامس والسادس، حوالي 0.1 في المائة بالمغرب، مقابل 7.2 في المائة في دول المنظمة.
ورغم انخفاض المعدل المغربي بنحو سبع نقاط مقارنة بدورة 2022، اعتبرت المنظمة أن هذا التراجع لا يحمل دلالة إحصائية واضحة، وأن الأداء ظل قريباً إجمالاً من نتائج الدورة السابقة.
### المهارات الرقمية.. تحد جديد يضاعف الأزمة
ولم يقتصر تقييم PISA على الرياضيات والقراءة والعلوم، بل شمل أيضاً قدرة التلاميذ على حل المشكلات الحاسوبية والتعلم داخل البيئات الرقمية.
وفي هذا المجال، سجل التلاميذ المغاربة حوالي 374 نقطة، وهو مستوى ظل بدوره أقل من متوسط دول منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية.
ويهدف هذا المؤشر إلى قياس قدرة المتعلم على مواجهة مشكلات جديدة، وتوظيف معارفه في بيئات رقمية، بدل الاكتفاء باسترجاع المعلومات المحفوظة.
وتضع هذه الأرقام المدرسة المغربية أمام أسئلة ثقيلة حول فعالية الإصلاحات المتعاقبة، ومدى انعكاس الاستثمارات والبرامج المعلنة على مستوى التعلمات الأساسية داخل الأقسام.
فالنتائج لا تكشف فقط ضعفاً في الاختبارات الدولية، بل تبرز تحدياً أعمق يتعلق بقدرة المدرسة المغربية على تمكين المتعلم من القراءة والفهم والحساب والتحليل والتفاعل مع التحولات الرقمية.
وشارك المغرب في دورة 2025 بـ6978 تلميذاً ينتمون إلى 179 مؤسسة تعليمية، يمثلون نحو 535 ألفاً و800 تلميذ في سن 15 عاماً، فيما شملت الدورة دولياً أكثر من 760 ألف تلميذ من 91 دولة واقتصاداً.
وبين توالي خطط الإصلاح واستمرار ضعف النتائج، يعيد تقرير PISA إلى الواجهة سؤالاً بات ملحاً: متى تتحول إصلاحات التعليم بالمغرب من برامج وشعارات إلى نتائج ملموسة داخل الفصل الدراسي؟