اخبار دولية

تصريحات أديل هينيل عن غزة تفجر جدل الرقابة داخل الإعلام الفرنسي

 الحنبلي عزيز -متابعة

أثار قرار مجموعة «فرانس تلفزيون» تعليق إعادة حلقة من برنامج La Grande Librairie، عقب تصريحات للممثلة والكاتبة الفرنسية أديل هينيل اتهمت فيها إسرائيل بارتكاب «إبادة جماعية في غزة»، جدلاً سياسياً وإعلامياً واسعاً في فرنسا، وسط اتهامات للمؤسسة العمومية بممارسة الرقابة على حرية التعبير.

في المقابل، أكدت إدارة «فرانس تلفزيون» أن القرار لا يتعلق بمنع هينيل من التعبير عن آرائها، وإنما بإجراء تحفظي مرتبط بالتزامات المؤسسة في مجال التعددية والتوازن، في انتظار تقييم هيئة تنظيم الإعلام السمعي البصري والرقمي الفرنسية «أركوم».

وبدأت القضية خلال حلقة بثتها قناة France 5 من برنامج «La Grande Librairie»، الذي يقدمه أوغستان ترابينار، واستضاف أديل هينيل بمناسبة صدور روايتها الأولى Viser Juste.

وفي ختام الحلقة، مُنحت هينيل فقرة «Carte blanche»، التي تتيح للضيف توجيه كلمة مباشرة إلى الجمهور خارج إطار الحوار التقليدي.

وتحدثت الممثلة الفرنسية في البداية عن العنف الجنسي والاغتصاب وتحرير الكلام، قبل أن تنتقل إلى الوضع في قطاع غزة، لتوجه انتقادات حادة إلى إسرائيل وفرنسا.

وقالت هينيل، في تصريحاتها، إن «الصمت التلفزيوني يغلف البلاد»، متهمة إسرائيل بارتكاب «إبادة جماعية في فلسطين»، كما اتهمت فرنسا بالتواطؤ، داعية إلى فرض عقوبات على إسرائيل و«تحرير فلسطين».

وسرعان ما انتشرت المداخلة على شبكات التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام، قبل أن تختفي إعادة الحلقة من المنصة الرقمية التابعة لـ«فرانس تلفزيون»، إلى جانب حذف مواد مرتبطة بها من حسابات البرنامج، ما فجر موجة من التساؤلات حول أسباب القرار.

«فرانس تلفزيون» تنفي الرقابة

رفضت إدارة المجموعة العمومية الاتهامات بممارسة الرقابة، مؤكدة أن هينيل ظهرت ضيفة رئيسية في البرنامج وقدمت كتابها بحرية، كما بثت مداخلتها كاملة أثناء العرض الأول للحلقة.

وأوضحت المؤسسة أنها تلقت عدة إخطارات بشأن مضمون المداخلة، مشيرة إلى أن القواعد المنظمة للإعلام العمومي تفرض عليها احترام التعددية والتوازن في تناول القضايا السياسية الحساسة.

وأضافت أن تعليق إعادة الحلقة جاء في إطار «إجراء تحفظي» إلى حين تقييم المضمون، خاصة أن التصريحات وردت في فقرة مفتوحة دون وجود طرف آخر للرد عليها.

غير أن هذه التوضيحات لم توقف الانتقادات، إذ اعتبر مدافعون عن هينيل أن مفهوم «البطاقة البيضاء» يقوم أساساً على منح الضيف مساحة حرة للتعبير، وأن حذف الحلقة بعد بثها يثير تساؤلات حول حدود هذه الحرية داخل الإعلام العمومي الفرنسي.

انقسام سياسي حول القرار

وانتقل الجدل سريعاً إلى الساحة السياسية الفرنسية، حيث انتقد عدد من مسؤولي اليسار قرار تعليق إعادة الحلقة، معتبرين أنه يطرح إشكالية تتعلق بحرية التعبير وطبيعة الآراء التي يسمح بظهورها في الإعلام العمومي.

واعتبر أوليفييه فور أن «البطاقة البيضاء» يفترض أن تمنح صاحبها حرية التعبير، متسائلاً عما إذا كانت بعض المواقف السياسية أصبحت غير مسموح بها على شاشة الخدمة العمومية.

كما عبر عدد من مسؤولي «فرنسا الأبية» وشخصيات من اليسار عن رفضهم للقرار، معتبرين أن حذف تصريحات تتناول الحرب في غزة والدعوة إلى فرض عقوبات على إسرائيل يمثل تراجعاً في مساحة النقاش السياسي.

في الجهة المقابلة، دافع سياسيون ومنظمات عن قرار «فرانس تلفزيون»، معتبرين أن بث اتهامات بهذه الخطورة دون وجود رأي مقابل يطرح إشكالية مرتبطة بالتوازن والتعددية.

وهكذا تحول الخلاف من مجرد موقف بشأن الحرب في غزة إلى نقاش أوسع حول مفهوم التعددية داخل الإعلام العمومي، وحدود حرية الضيف في التعبير خلال البرامج التلفزيونية.

هينيل: الحذف يؤكد رسالتي

من جانبها، تمسكت أديل هينيل بموقفها، معتبرة أن حذف الحلقة يعزز، من وجهة نظرها، الرسالة التي أرادت إيصالها.

وقالت عبر حسابها على «إنستغرام» إن فريقها توقع احتمال إزالة المقطع، ولذلك احتفظ بتسجيل للمداخلة، معربة عن استغرابها من حذف الحلقة كاملة وليس الجزء المثير للجدل فقط.

ورأت الممثلة والكاتبة الفرنسية أن ما وقع يعكس، بحسب موقفها، وجود قضايا يمكن تداولها خارج التلفزيون، لكنها تواجه قيوداً عندما يتم التعبير عنها عبر وسائل الإعلام التقليدية.

وتأتي القضية في وقت تشهد فيه فرنسا نقاشاً واسعاً حول طريقة تناول الحرب في غزة داخل وسائل الإعلام، خصوصاً بعدما خلصت لجنة تحقيق تابعة لمجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة في تقرير صدر سنة 2025 إلى أن إسرائيل ترتكب إبادة جماعية في القطاع، وهي خلاصة رفضتها الحكومة الإسرائيلية واعتبرتها منحازة.

ويبقى الجدل مفتوحاً في انتظار موقف «أركوم»، فيما نجح قرار تعليق إعادة الحلقة في توسيع دائرة النقاش بدلاً من احتوائه، ليطرح سؤالاً أساسياً داخل المشهد الإعلامي الفرنسي: أين تنتهي حرية التعبير، وأين تبدأ التزامات التعددية والتوازن في الإعلام العمومي؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى