في كلِّ عيدِ أضحى يعود السؤالُ القديم متشحًا بوجعٍ جديد: هل ما تزال الأضاحي تُذبح تعبّدًا لله وابتغاءً لمرضاته، أم أنّ الناس صاروا يذبحون ما تبقّى في أرواحهم من سكينةٍ وكرامة تحت سطوة العادة الاجتماعية وهيمنتها الثقيلة؟ وهل بقيت الصدقة معنىً ربّانيًّا نقيًّا يُراد به وجه الله، أم تحوّلت إلى مادة استعراضية تُدار بمنطق الفرجة، وتُساق إلى المنصّات كما تُساق البضائع إلى أسواق الاستهلاك؟
لقد تمدّد منطقُ الاستعراض في حياتنا تمدّدًا مخيفًا، حتى كاد يلتهم ما تبقّى من عظمة الشعائر وهيبتها. فغدا بعض صُنّاع المحتوى يتعاملون مع الفقير لا باعتباره إنسانًا له حرمةٌ ووجعٌ وخصوصية، بل باعتباره مادّةً جاهزة لإثارة العاطفة، ووسيلةً سهلة لاستدرار التفاعل وحصد المشاهدات. يدخل أحدهم بيتًا أثقلته الحاجة، لا ليجبر الخاطر ويستر الانكسار، بل ليقتحم هشاشة الفقر بعينٍ لا ترى في المعاناة سوى فرصةٍ سانحة لصناعة “المحتوى”. يرفع عدسة كاميرته في وجه امرأةٍ أرهقها الحرمان، والعوز، أو طفلٍ يطأطئ رأسه خجلًا، ثم يشرع في استنطاق الفاقة بلهجةٍ باردة وجارحة لا تخلو من قسوة: لماذا لم تعيّدوا؟ منذ متى لم تذوقوا اللحم؟ ماذا تقولون للمحسنين؟
فأيُّ إحسانٍ هذا الذي يبدأ بجرح كرامة المحتاج؟ وأيُّ صدقةٍ تلك التي تُعطى بيد، بينما تُنتزع إنسانية الفقير باليد الأخرى؟
لقد نبّه القرآن الكريم إلى هذا الانحدار الأخلاقي في أبلغ صورته، حين قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ﴾.
فالمنُّ ليس دائمًا كلمةً متعالية تُقال، بل قد يكون صورةً تُلتقط، أو مقطعًا يُنشر، أو بثًّا مباشرًا يُعلَّق فيه الفقير على جدار المنصّات كما تُعلَّق المشاهد المثيرة للعابرين. والأذى ليس صفعةً ظاهرة فقط، بل قد يكون كشفًا جارحًا للهشاشة الإنسانية أمام جمهورٍ لا يعرف من الرحمة إلا مظاهرها العابرة.
إنّ أخطر ما في هذا المشهد أنّ الرياء لم يعد سلوكًا فرديًّا طارئًا، بل تحوّل إلى ثقافةٍ كاملة تُغذّيها خوارزميات المنصّات واقتصاد التفاعل. ففاعل الخير الجديد لا يهدأ له بالٌ إلا إذا ارتفعت نسب المشاهدة، وتدفّقت التعليقات، وصارت معاناة الناس مادّةً قابلة للتداول الرقمي. وهكذا تنقلب النيّات في صمتٍ مقلق؛ من طلب الأجر إلى طلب الفظح، ومن ابتغاء وجه الله إلى ابتغاء لايكات ومشاهدات الجمهور.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:
«إنَّ أخوفَ ما أخافُ عليكم الشركُ الأصغر»، فلمّا سُئل عنه قال: «الرِّياء».
لأنّ المرائي، في جوهر فعلِه، لا يكتفي بأن يكون الله شاهدًا على عمله، بل يستدعي أعين الناس لتشاركه ما كان ينبغي أن يبقى خالصًا بين العبد وربّه.
غير أنّ المأساة لا تقف عند حدود استغلال الفقراء والتكسّب الرمزي من وجعهم، بل تمتدّ إلى التحوّل العنيف الذي أصاب شعيرة الأضحية نفسها. فقد انتقل العيد عند فئاتٍ واسعة من المجتمع من كونه موسمًا للسكينة الروحية والتراحم الإنساني، إلى مناسبةٍ مثقلة بالمقارنات الاجتماعية ومظاهر التفاخر الاستهلاكي.
صار الأب الفقير يستقبل أيام العيد بقلقٍ يشبه قلق المحاصَر. يبيع بعض أثاث بيته، أو يستدين فوق طاقته، أو يقتطع من ضروريات عامٍ كامل، فقط حتى لا يشعر أبناؤه بالنقص أمام الآخرين، أو حتى لا تطارده نظرات المجتمع وهمسات الناس: “فلان لم يُعيْد هذا العام”. وهكذا تتحوّل الأضحية، التي شُرعت رحمةً وتوسعةً، إلى عبءٍ نفسيٍّ واقتصاديٍّ يثقل كاهل البسطاء، ويستنزف ما تبقّى لديهم من طمأنينة.
بل إنّ بعض الناس لم يعودوا يُخفون حقيقة الدافع النفسي وراء اقتناء الأضحية، فتتكرّر العبارات الموجعة ببرودةٍ لافتة:
“اشترينا الحولي للوليدات أو “حتى لا يتحدّث الجيران عنّا”.
وهنا يتراجع المعنى التعبّدي إلى الخلف، ويتضخّم البعد الاجتماعي المصطنع حتى يكاد يختفى روح الشعيرة كلّها.
مع أنّ القرآن الكريم قد لخّص فلسفة الأضحية في آيةٍ واحدة تختصر جوهر العبادة ومعنى التقوى:
﴿لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنكُمْ﴾.
ما أعمقها وأبلغها من آية، وما أبعد المسافة بينها وبين هذا الضجيج الذي يملأ المنصّات والأسواق. فالله سبحانه لا تعنيه مظاهر الاستعراض، ولا صور الأكباش المصطفّة، ولا مشاهد الذبح التي تُبثّ كما تُبثّ روتين اليومي؛ إنّما ينظر إلى القلوب، إلى مقدار الإخلاص الكامن خلف الفعل، وإلى التقوى التي لا تراها عدسات الكاميرات.
لكنّ المجتمع ــ للأسف ــ قلب المعادلة؛ فبدل أن تكون الأضحية سبيلًا إلى تزكية النفس وقربانًا لله تعالى، غدت عند كثيرين وسيلةً لتجميل الصورة الاجتماعية. وبدل أن يكون العيد لحظة رحمةٍ وتخفيف، صار عند كثيرٍ من الأسر الفقيرة موسمًا للضغط والاختناق النفسي. حتى الأطفال أنفسهم لم يعودوا يتربّون على المعنى الحقيقي والروحي للعيد، بل على ثقافة المقارنة والتفاخر والاستهلاك.
وهنا تتجلّى خطورة المنصّات الرقمية التي دفعت الناس إلى تحويل كلّ شيء إلى فرجة: الصدقة فرجة، والأضحية فرجة، والفقر فرجة، وحتى الدموع لم تعد بمنأى عن منطق العرض والاستهلاك.
إنّ المجتمع الذي يفقد معنى الستر، ويفقد حياء الإخلاص، يتحوّل بالتدريج إلى فضاءٍ واسع للتمثيل الأخلاقي. الجميع يتحدّث عن الرحمة، لكنّ القليل فقط يمارسها بصمت. والجميع يرفع شعارات التضامن، غير أنّ كثيرًا ممّا يُقدَّم اليوم تحت عنوان “الإحسان” ليس سوى صورةٍ جديدة من صور استثمار الفقر وتدوير الألم الإنساني داخل سوق الليكات والمشاهدات.
لقد كان السلف الصالح يخفون أعمالهم الصالحة خشية الرياء، المؤلم حقًّا أنّ الفقير لم يعد ضحية الحاجة وحدها، بل ضحية سياسات عمومية، وأيضا ضحية جمهورٍ اعتاد التفرّج على معانات المجتمع كما يتفرّج على أيّ مشهدٍ عابر.
إنّنا لا نحتاج إلى مزيدٍ من الخطابات العاطفية المصنوعة، بقدر ما نحتاج إلى شيءٍ أكثر نقاءً وصدقًا: قليلٍ من الإخلاص، وكثيرٍ من الحياء الإنساني. لأنّ الرحمة الحقيقية لا تُقاس بحجم التفاعل، بل بمقدار الكرامة التي نحفظها في قلب المحتاج. ولأنّ الله، في نهاية المطاف، لا ينظر إلى ما في الأيدي وحده… بل إلى ما في القلوب.