دفاعا عن روح الإلتزامات الإقتصادية للبرنامج الإنتخابي والسياسي لتحالف اليسار، نستمر في هذه الزاوية بتقديم عناصر نقدية أولية لقراءة الوعود الإنتخابية لتحالف اليسار في أفق تشريعية سبتمبر القريبة جدا 2026.
بعد ان تطرقنا في بداية هذه المساهمة النقدية في النقاش العمومي حول البرنامج الإقتصادي الإنتخابي لتحالف اليسار / 2026، وذلك بطرح أهمية وشروط وحدود المؤسسية في بلادنا، بنقض أسسها الفكرية وتوطينها بإيجاز كبير في الفكر العربي الإسلامي، من جهة، وكذا في الممارسة السياسية العملية لبعض بلدانه، ومنها المغرب، ولدى بعض قوى اليسار، ومنه تحالف اليسار اليوم، من جهة أخرى، تلك الأمصار التي لم تقطع بعد/ أو قط مع مبتغى الدولة الدينية الإسلامية، في هجانتها الإيديولوجية، بالرغم من تحولات مجتمعاتها البنيوية الرأسمالية العميقة، الطرفية أو البازغة، حقا.
كما قمنا بتناول سوسيو-إقتصادي سريع لنقطتي التقاعد والمقاصة ( والدعم المالي المباشر)، في ما يخص المسالة الاجتماعية، وربطها بالمسالة الإقتصادية، في بلادنا ،نشير إلى أن التأسيس لمغرب اليوم أنطلق طوال حقبة الثلاثينات- الستينات، مما ساهمت فيه حكومة عبد الله إبراهيم، اكثر مما ساهمت فيه حكومة ع. الرحمن اليوسفي، التي إنخرطت في خصخصة الإقتصاد العمومي/ المغربي، دون بزوغ حقيقي لقطاع خاص بمعنى الكلمة، مستقل منتج ومبادر ومغامر عن المخزن !).
ولهذا سنحاول التطرق بعجالة إلى الحيثيات السياسية والاقتصادية لفترة هذه الحكومة الفريدة، حكومة عبد الله إبراهيم، خاصة وأن اليسار الممانع، ومنه تحالف اليسار، لم يقطع الصلة بهذه التجربة الرائدة، ولا هو حرم النقاش فيها لدى مناضليه ونخبه، وفي الإشكالية السياسية الدستورية اليوم ببلادنا( انظر المطوية التعبوية الإشهارية التي وزعت بعد الثامن من شهر شتنبر)، فضلا عن الاقتصادية، وذلك لأهميتها وراهنية الأفكار التي حبلت بها، حبل بها رجالاتها، مطلع استقلال المغرب، وعلى رأسهم عبد الله إبراهيم، وحكومته.
1/ حكومة عبداللهإبراهيم و حرقة الموعد الضائع مع التاريخ
قلائل هم من الجيل الجديد من يعرفون اليوم ع. الله إبراهيم، وحتى من الشياب من يتذكرونه، وأقوى ما يفكرون عنه انه “رجل سياسة”، بامتياز، الأكثر عمرا منا يتذكرون رئيس مجلس عرف كيف هو ومن معه يحرك الحدود المتكلسة، بداية الستينات، في بلادنا.
ومنا كذلك من لا يجد جدوى للحديث عنه، إذ هو من عداد الماضي، إضافة إلى هامشية وضعف التكوين الجامعي في العلوم السياسية/ القانون العام، في بلادنا، كما أن مشروعه لم يكتب له النجاح، في أحسن الأحوال، ولا يمكن الرجوع إليه ولا لاستلهامه في أفق حتما مغاير، خطت فيه الدولة المخزن خطوات حاسمة إلى الأمام، واعتمدت اختيارات تنموية تحديثية استراتيجية نهائية.
والحال أن التاريخ السياسي عرف شبه توقف في ملتقى طرق صعب، غداة استقلال البلاد وظلت اختيارات الطبقة الحاكمة في تعارض كبير ومتعاظم مع مصلحة الطبقات الشعبية والمتوسطة، بل وازدادت غيا في ذلك، وظل المشروعان- في نظرنا- ماثلا إلى اليوم، رغم ما عرفته بلادنا من سنوات رصاص وجمر، وأشباه مصالحات وإضفاء الشرعية شبه الكاملة و التطبيع مع الحكم المطلق واختياراته في البلاد.
وهو ما جعل القليل منا يقدر شخصيته ذات القوة الأخلاقية العالية والوعي السياسي الاستثنائي، الإنساني الحامل لأخلاقية صارمة كافحت ضد كل أشكال الجمود. وهو المتمتع بمسافة كافية للتصرف تجاه التقاليد والدين، ليفكر في مواضيع مهمة خاصة في مجالات التاريخ وحول الإسلام، بل و إقترح افكارا وتأملات مهمة. كما يمكن إعتبار ما حاول القيام به طوال سنوات الثلاثينات والستينيات “ثوريا”، بل ومؤسسا لمغرب اليوم، في إحدى أوجهه النيرة.
لقد إستطاع ايضا مقاومة “الإنتهازية السياسية”، وعرف كيف ينزه حياته وينذرها ضد محاولات الإرشاء، وحتى التعويض على مهامه الحكومية، غداة إقالته، على عهد الراحل الحسن الثاني، فضلا عن إهتمامه بهموم غيره من المواطنين، بل وكان يحتقر المال، وهو ذو الفكر المنطلق من ثنايا المغرب العميق والعريق، المساهم في الكفاح من أجل الإستقلال والبناء، والذي يستحق حقا منا التعرف عليه وبه وعلى منجزه، من طرف الجميع والشباب خاصة، فهو ألمواكب لتاريخ “المواعيد الضائعة” والفرص المفقودة على طريق التحرر والتنمية للمغرب، وهو الحامل “لأمل منكسر(زكية داوود، 2018)”، على حد قول زاكية داوود، الصحافية والكاتبة المرموقة.(انظر كتابها ع. الله إبراهيم، تاريخ “المواعيد الضائعة”، لا كروازي دي شومان، 2018).
إنطلاقا من الإشكالية والفرضية اللتان حددناهما/أعددناهما سابقا لأنفسنا، وليس اللتان فبركهما لنا من يتوجه إلينا، (على نهج ماكس فيبر لما يحدد idéal type/ نموذج)، واللتان توجدان على طرف نقيض مما يمكن أن تقدمه السردية الرسمية إلينا وإلى الجمهور الواسع الغير النبيه، (على نهج التفكيكية لدريدا)، من الممكن الآن أن نفكر بهدوء ما أمكن كوجيطو/ متن ما تقدم به بعض اليوتبرز/ الفطائر والمراجع الضعيفة السند حول إنقلاب الأمير مولاي الحسن آنذاك، فجر الاستقلال، على القصر! ولا للتفكير وكذا تحليل ونقد بعض المنعطفات التاريخية والفكرية السياسية الحاسمة الأخرى التي عرفها المغرب، بعد ذلك..
التفكيكية التي سنحاول إعتمادها تأخذ مفهوما بمفهوم أو مقولة بمقولة مقابلة ومعاكسة، وتحاول بناء سردية أخرى/ نقض الأطروحة، مشاكسة في ذلك للسردية الأولى (عادة ما تسمى السردية الرسمية، أو الأطروحة السائدة أو المسيطرة)، بإستعمال علوم أخرى، كعلم السياسة والتاريخ السياسي والمنطق الجدلي/ الرياضيات، وغيرهما، وتقنيات تحليل المضمون، وغيرها…
الملاحظ أن مراجع من صادفناهم على وسائط التواصل الإجتماعي من اليوتبرز محدودة جدا، وهم اصلا لا يولون للتقصي والبحث العلمي -عادة- أدنى إهتمام، ومن اللازم الإنتباه إلى طريقة تواصلهم، كلامهم، نبرتهم، وإقتناء بعض المعلومات الجزئية التي يمكن الإستفادة منها منهم، وإخراج المعنى وما وراءه وما يخفيه، أفكارهم الرئيسية او فكرتهم الاساس، وما ينوون تمريره، وما ينفخون فيه، وما لم يريدون أن يقولوه، le non-dit، إلخ.
يتم الإعتماد أساسا في ذلك على مرجع “ذاكرة ملك” للحسن الثاني نفسه، شبه مذكراته، سرديته الخاصة للحكم المرتبط عضويا بأناه وشخصه، وكذا كتاب الصحفي المصطفى العلوي، الذي يتحدث فيه عن “الملك المظلوم”، لرفع الظلم عنه، لاشك، وسوء فهم تطلعاته من طرف الناس، وخصوصا خصومه السياسيين، أقطاب اليسار على ما يبدو، وهو الملكي المقرب من القصر، طبعا، وإبن بطانته الوفي، والمدافع عموما عن الملكية المطلقة-التنفيذية والعائلة الشريفة.
يمكن لكل من اليوتبرز ومتن مراجعهم الخفيفة القيد ان تفيد في ضخ معلومات بمقدار، أصبح اليوم من الممكن ان يسمح النظام بتداولها بين الناس، كحيثيات “محاولاتي إنقلاب الجيش الفاشلة/ المفشلة في السبعينات على الملكية”!، بما هما إنقلاب واحد بشوطين- رصاصتين متتبابعين، الأول على الأرض وفقط الثاني في السماء، والتي لم تزدها إفتعال الأزمات والفوضى والخطر والزيف والتحكم فيها جميعها وإستباق آفاقها إلا شرعية سياسية ورمزية للحاكم لدى العموم، ولم لا ايضا، تقديم سردية إيديولوجية رسمية قد تكون مقبولة في ذلك، فإعادة هندسة السلطة والمجتمع، وإيجاز الحديث والتداول العمومي- الشعبي في/ وعن “محاولة إنقلاب” ولي العهد، آنذاك، عن محمد الخامس، ملك المغرب، والحاكم الرئيس في البلاد، غداة الإستقلال! وفي وعلى وجهي محاولتي الإنقلاب بداية السبعينات،… من الأحداث والمنعطفات الفارقة في التاريخ السياسي لبلادنا.
كلها أمور ومقولات وخطابات تتطلب الحرص والتأمل والتفكير، وحتى التصحيح والنقد، الهدام والبناء، من منظور الحقيقة التاريخية، ومن موقع اليسار ( انظر اعمال بوعزيز مصطفى، في هذا الباب، وخاصة اليسار المغربي من التأسيس إلى الإندماج 1975-2005، وكذا المهدي بنبركة: الفكر والممارسة السياسية، ثم الحركة الوطنية المغربية، قراءات تجديدية مستمرة/1975، ثم الدولة وللمجتمع في المغرب، و أصول الكتلة الديموقراطية/ 1997، والوطنيون المغاربة في القرن العشرين/ 2020، ومشاركته في المؤلف الجماعي عن تاريخ المغرب، تحيين وتركيب/ 2013، وتعاونه في كتاب ذاكرة دار المغرب بفرنسا، إلخ…)، بالذات، لحقبة فارقة ومهمة من تاريخ المغرب السياسي الحديث.!
ذ. عبدالواحد حمزة، سوسيوإقتصادي، عضو المجلس الوطني للإشتراكي الموحد/ تحالف اليسار.