وجهة نظر

نهاية أسطورة حقوق الإنسان الغربية! عبد اللطيف أجدور

   تزداد حدة التحولات العميقة التي تطوق العالم على مستويات عدة؛ من أنماط العيش وتفاصيل الحياة اليومية، إلى الأسس والمفاهيم التي تحكم المجتمعات المختلفة، حيث تخضع العلاقات والأنساق لإعادة تشكيل واسع. وتُسهم اعتبارات متقاطعة عدة في هذه الحركية، بدءاً من التضخم الاقتصادي العالمي وأزمات الطاقة والبيئة، وصولاً إلى تأثيرات وسائل التواصل الاجتماعي وما تسببه من انتشار للإشاعة وتمييع للقيمة ونزيف للمعرفة المتدفقة بشكل متسارع يصعب ضبطه وتفتيشه. ومن هذا المنطلق، دخلت المبادئ الحقوقية الغربية -التي شكلت أسس النموذج الليبرالي منذ ثلاثة قرون تقريباً- منعطفاً حاداً اليوم.

سعت فلسفة الأنوار ومفكرو أوروبا قبلها وبعدها إلى جعل الإنسان محور كل السياسات والتنظيمات باعتباره ذاتاً واعية متفردة تحوز القيمة القصوى؛ حيث ينبغي أن تصب كل المساعي في اتجاه تعزيز راحته ورفاهه. وانبنت الأنظمة الأوروبية وتشريعاتها بما يكفل تمتع كل فرد بحقوقه المدنية الأساسية؛ من الكرامة والأمن والمساواة إلى أبسط حقوق العيش. وقد روجت أوروبا لهذه الثقافة عبر الإعلام والأدب والفنون، بل بررت التدخلات الاستعمارية -التي لا يمكن تبريرها بحال- برغبتها في نقل هذه القيم لشعوب تلك المناطق.

أخذت أسطورة حقوق الإنسان وسيادة القانون -التي تُستغل لابتزاز بعض الدول- تتهاوى شيئاً فشيئاً خلال السنوات الأخيرة؛ إذ تدحض واقعات متكررة هذه السردية، وأبرزها وفاة مواطن مغربي في إيطاليا بشكل لا إنساني عقب استخدام الشرطة قوة غير مبررة أثناء توقيفه، لا سيما وأنه كان يمر بأزمة نفسية كما أوردت التقارير.

إنها حادثة تعيد إلى الأذهان واقعة مقتل “جورج فلويد” في أمريكا التي هزت المجتمع الدولي، الذي ما زال يناهض العنصرية ضد السود والمهاجرين ويناضل لشجب الكراهية ضد الأديان. ويمكن أن نستحضر في السياق نفسه التعامل العنيف لبعض عناصر الشرطة الإسبانية -بل وبعض المدنيين ممن لا يملكون أي صلاحية قانونية- مع المهاجرين على أرض مدينة سبتة المحتلة، في تجاهل تام للتشريعات والأخلاقيات كافة. ولعل هذه التطورات لم تعد حوادث متفرقة، بل تعكس حضوراً قوياً لليمين المتطرف وخطاباً قومياً إقصائياً يلقى صدى وتعاطفاً واسعين بين أطياف المجتمعات الأوروبية، بما فيها الأوساط النخبوية؛ وهو ما يدعو للقلق من تزايد أعمال الكراهية والتطبيع مع العنصرية والإقصاء.

وفي مقابل ذلك، اعتادت الدول الغربية الضغط على دول عربية وإفريقية مراراً واستهدافها إعلامياً بسبب حوادث مماثلة وإن لم تكن بنفس الحدة، بينما ترفض التعامل مع انتهاكات أكثر خطورة تمس حقوق الأفراد داخل أراضيها بالصرامة نفسها، لتظل قضية “الهجرة” تحديداً -كما وصفها تقرير فرنسي مؤخراً- “ليست بالمشكلة ولا بالحل”.

من جهته، يواصل المغرب -رغم كل التحديات- قطع أشواط كبيرة في الحفاظ على حقوق مواطنيه، بل يقدم دروساً بليغة للعالم في التعامل مع ملف الهجرة بصدر رحب ومن منطلق إنساني محتضن؛ حيث يعيش آلاف المهاجرين من إفريقيا جنوب الصحراء ويشتغلون بشكل طبيعي، وتتم تسوية وضعياتهم القانونية باستمرار. ورغم اختلاف اللون والثقافة والدين أحياناً، يلقى هؤلاء المهاجرون قبولاً واسعاً من المجتمع المغربي، مما سهل اندماجهم وإسهامهم في الدينامية الإيجابية التي تشهدها المملكة.

إن الإيمان بالتسامح وضرورة ضمان الحقوق الأساسية للأفراد -على اختلاف وضعياتهم وانتماءاتهم- يظل مبدأ إنسانياً راسخاً ينبغي تعزيزه باستمرار، كما ينبغي على المغرب تسويق نموذجه الحقوقي خاصة ما يتعلق بالهجرة، بشكل يدحض السرديات الأوروبية التي ما تزال تتمسك بأسطورة أسبقية الحضارة الليبرالية وتفوقها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى