وجهة نظر

«دين ودنيا» في قبضة «الهاكا»: هل أخطأ الشيخ حين ذكّر الناخب بمسؤوليته؟ حميد قاسمي

        ليس من حق أحد أن يطلب من الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري أن تغض الطرف عن القانون، كما ليس من حق أحد أن يجعل من حرية التعبير ذريعة لتجاوز الضوابط المؤطرة للمشهد السمعي البصري، خصوصا في فترة انتخابية دقيقة. لكن من حق الرأي العام، في المقابل، أن يسأل: أين تنتهي سلطة التنظيم، وأين تبدأ حرية الرأي؟ ومتى يصبح التذكير بالمسؤولية الأخلاقية للناخب تأثيرا غير مشروع في إرادته الانتخابية؟

هذا السؤال عاد إلى الواجهة بقوة بعد قرار المجلس الأعلى للاتصال السمعي البصري، الصادر في 18 شتنبر 2026، والقاضي بتوقيف برنامج «دين ودنيا» الذي تبثه «شذى إف إم» لمدة شهر، على خلفية حلقة تناول فيها ضيف البرنامج، الشيخ عبد الرحمان السكاش، موضوع التصويت والاختيار الانتخابي. وقد اعتبر المجلس أن تصريحات الضيف أخلت بواجب التحفظ المرتبط بالطابع الديني، وأنها وظفت مكانته الرمزية وممارسته العلنية للشعائر الدينية بما يمكن أن يؤثر في الإرادة الانتخابية، فضلا عن ملاحظات تتعلق بطريقة تدبير الحلقة والتحكم في البث.

لكن، وبعيدا عن صخب القرار وضجيج التأويلات، ثمة سؤال جوهري يستحق أن يوضع فوق الطاولة لا تحتها:

هل كل حديث يصدر عن رجل دين بشأن المسؤولية الأخلاقية للصوت الانتخابي يصبح بالضرورة تدخلا في الاختيار السياسي؟

فالشيخ، في المقتطف المتداول من الحلقة، لم يسم حزبا بعينه، ولم يطلب من المستمعين التصويت على حزب محدد، ولم يدع إلى مقاطعة الانتخابات، وإنما بنى حديثه على فكرة المسؤولية الفردية عن الاختيار، فقال إن الصوت «أمانة»، وإن الناخب سيحاسب على من منحه صوته، وحث الناس على التثبت من المرشحين قبل اختيارهم.

بل إن جوهر كلامه كان قائما على مفاضلة أخلاقية عامة: أن يمنح المواطن صوته لمن يراه صالحا وصادقا وخادما للوطن والمواطن، وألا يمنحه لمن يثبت في حقه الفساد أو السرقة أو الاحتيال أو استغلال المسؤولية.

قد يختلف المرء مع طريقة بناء هذا الخطاب، وقد يرى أن استحضار الحساب الأخروي داخل النقاش الانتخابي يرفع منسوب التأثير الرمزي على المستمع. وهذا نقاش مشروع. لكن المسألة التي تستحق التدقيق هي: هل يكفي حضور المرجعية الدينية في خطاب انتخابي عام لكي يتحول الكلام تلقائيا إلى مخالفة تستوجب إيقاف برنامج كامل لمدة شهر؟

هنا تحديدا تصبح المسافة بين التنظيم والوصاية شديدة الدقة.

الدستور المغربي نفسه لا يتعامل مع المواطن باعتباره كائنا منزوع الإرادة، بل يقر في الفصل 25 بأن حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. كما أن الإطار الدستوري المغربي يقر في فصله الأول بأن الإسلام دين الدولة، في الوقت الذي يضمن فيه حرية ممارسة الشؤون الدينية.

ومن ثم، فإن السؤال ليس: هل الدين والسياسة شيء واحد؟

بالطبع لا.

السؤال الأدق هو: هل يجوز للمواطن المسلم أن يستحضر مرجعيته الدينية والأخلاقية وهو يمارس حقه في الاختيار السياسي، أم أن عليه أن يخلع قناعاته الدينية عند باب صندوق الاقتراع؟

ثم إن الانتخابات نفسها ليست طقسا تقنيا محضا. إنها فعل مواطنة ومسؤولية واختيار ومحاسبة. والهيئة نفسها تؤكد أن الغاية من تأطير التغطية الانتخابية هي تمكين المواطنات والمواطنين من التصويت الواعي والاختيار الحر.

فإذا كان المطلوب هو التصويت الواعي، فكيف يمكن أن نضع حدا فاصلا بين توعية الناخب بمسؤوليته الأخلاقية وبين التأثير غير المشروع في إرادته؟

هذا هو لب المسألة.

ولست هنا بصدد إصدار حكم مضاد على قرار «الهاكا»، ولا بصدد تنصيب الشيخ السكاش فوق النقد أو القانون. إنما أقول إن التناسب بين الفعل والعقوبة، وحدود التأويل القانوني للخطاب، يستحقان نقاشا عموميا هادئا لا أن يتحولا إلى مسلمات مغلقة.

فالقرار، بحسب ما أعلنته الهيئة، لم يقف عند مجرد ذكر الانتخابات، بل ربط الإشكال بتوظيف المكانة الدينية للضيف، وبطريقة تقديم الخطاب، وبمسؤولية المنشطة عن التحكم في البث.

وهنا يظهر سؤال آخر أكثر إحراجا:

هل المشكلة في أن الشيخ تحدث عن الانتخابات، أم في أنه تحدث عنها من زاوية دينية؟

لأننا لو حذفنا من الخطاب عبارة «غادي نتسأل عليها يوم القيامة»، وأبقينا المضمون المدني المجرد، سنجد أنفسنا أمام نصيحة انتخابية مألوفة تتكرر في الصحافة والإذاعة والندوات: لا تصوت لمن تراه فاسدا، تحقق من المرشح، لا تنخدع بالمظاهر، وتحمل مسؤولية اختيارك.

فهل تصبح الفكرة نفسها محظورة بمجرد أن يكسوها صاحبها بلغة دينية؟

وإذا كان الجواب نعم، فهنا نحتاج إلى توضيح أكثر صرامة للحدود الفاصلة بين حرية الاعتقاد والتعبير من جهة، وبين الحظر القانوني للتأثير الانتخابي من جهة أخرى.

ثم هناك مفارقة أخرى لا ينبغي دفنها تحت ركام البلاغات القانونية.

لماذا يبدو صوت رجل الدين، حين يلامس المجال الانتخابي، مستوجبا لكل هذا الاستنفار التنظيمي، بينما تمر في المشهد الإعلامي مضامين أخرى لا تقل تأثيرا في الوعي العام؟

وهنا لا بد من أن أكون دقيقا: لا يجوز القول إن الهيئة لم تتدخل في أي مادة إعلامية أخرى، ما لم نملك حصرا كاملا لكل قراراتها ورصدها. لكن من المشروع أن نسألها عن معايير الاتساق والتناسب: هل تطبق المعايير نفسها على جميع أشكال التأثير الرمزي والاجتماعي؟ وهل تخضع البرامج التي تتضمن تنميطا أو سخرية أو تنمرا من فئات اجتماعية، بما فيها الأشخاص في وضعية إعاقة، للصرامة نفسها التي أظهرتها في هذه النازلة؟

لأن التماسك الاجتماعي الذي استند إليه القرار لا ينبغي أن يكون مفهوما انتقائيا.

إذا كان المطلوب حماية كرامة المواطن، فكرامة المواطن الكفيف، والأصم، وذي الإعاقة الحركية، وذوي الاضطرابات النمائية، وسائر الأشخاص في وضعية إعاقة، ليست أقل قيمة من سلامة المجال الانتخابي.

وإذا كان المطلوب حماية المواطن من التأثير غير المشروع، فالمواطن ينبغي أن يكون محميا من كل أشكال التأثير، لا من التأثير الديني وحده.

وإذا كان المطلوب صون التعددية، فإن التعددية لا تعني فقط تعدد الأحزاب والمتحدثين السياسيين، وإنما تعني أيضا تعدد المرجعيات الفكرية والثقافية والدينية التي يحضر بها المواطن في الفضاء العمومي، ما دام التعبير لا يتحول إلى تحريض أو إكراه أو دعاية محظورة قانونا.

ولعل أخطر ما يمكن أن ينشأ عن مثل هذه القرارات ليس توقيف برنامج لمدة شهر، فذلك إجراء زمني ينتهي بانتهاء مدته، وإنما أن يتسلل إلى الوعي العام شعور مفاده أن بعض المواطنين يستطيعون الكلام في الانتخابات من كل الزوايا، بينما يصبح الحديث عنها حين يخرج من فم شيخ أو داعية منطقة شديدة التحفظ والريبة.

السياسي يتحدث عن التصويت. الصحافي يحلل التصويت. الباحث يفسر التصويت. الناشط يوجه الناخب. المواطن يناقش التصويت. فلماذا ينبغي أن يتحول الشيخ، بمجرد استحضاره لمسؤوليته الدينية والأخلاقية، إلى حالة استثنائية؟

وإذا كان التخوف هو استعمال الدين لاستمالة الناخبين، فالمطلوب هو تعريف دقيق لهذا الاستعمال، لا تحويل المجال برمته إلى منطقة محرمة.

فثمة فرق بين أن يقول شخص: «صوتوا للحزب الفلاني»، وبين أن يقول: «صوتوا لمن ترونه صالحا وأمينا ولا تمنحوا أصواتكم لمن ثبت فساده».

قد يرى البعض أن العبارة الثانية، في سياق ديني، تحمل تأثيرا قويا. وهذا رأي يمكن مناقشته. لكن الفرق بين التأثير والإكراه، وبين إبداء الرأي والتوجيه الحزبي المباشر، وبين التوعية والدعاية الانتخابية، ليس تفصيلا لغويا، بل هو جوهر النقاش الديمقراطي.

ثم إن الشيخ السكاش نفسه، في المقتطف الذي بين أيدينا، لم يمنح الناخب اسما ولا لائحة ولا حزبا. ترك له، في النهاية، فعل الاختيار نفسه، وإن أحاطه بسياج ديني وأخلاقي كثيف.

وهنا يمكن أن نختلف معه في الأسلوب، ونناقش منطقه، وننتقد عباراته، بل ونفكك منطقه الفقهي إن اقتضى الأمر، لكن ذلك شيء، وتحويل المنبر الإعلامي إلى منطقة ممنوعة على النقاش العمومي شيء آخر.

لقد أعلنت «الهاكا» منذ يونيو 2026 أن قرارها المعياري الخاص بالانتخابات يرمي إلى ضمان التعددية ونزاهة النقاش العمومي وحياد وسائل الإعلام، وتمكين المواطنين من التصويت الواعي والاختيار الحر.

وهذه غاية لا يختلف حول ضرورتها أحد.

لكن الحياد الإعلامي لا ينبغي أن يتحول إلى حياد عن المجتمع نفسه.

فالمجتمع المغربي ليس بلا دين، وليس بلا قناعات، وليس بلا مرجعيات أخلاقية. والمواطن الذي يدخل مركز الاقتراع لا يترك ذاكرته وثقافته وقيمه عند الباب. لذلك فإن حماية حياد الإعلام لا تعني بالضرورة إقصاء المرجعيات الدينية من النقاش، وإنما تعني منع تحويلها إلى أدوات للدعاية الحزبية المباشرة أو للتحريض أو الإكراه أو التمييز.

وهذا فرق دقيق، لكنه جوهري.

أما أن يصبح كل حديث ديني عن المسؤولية الانتخابية قابلا لأن ينتهي بإطفاء ميكروفون برنامج كامل لشهر، فهنا لا بد أن يبقى السؤال مشرعا:

أين ينتهي التنظيم وتبدأ الوصاية؟

وأين تنتهي حماية الناخب وتبدأ مصادرة حقه في أن يسمع خطابا دينيا، وسياسيا، وفكريا، ثم يقرر بنفسه؟

إن المواطن المغربي ليس قاصرا حتى يحتاج في كل مرة إلى من يختار له ما يسمع وما لا يسمع.

الانتخابات في جوهرها امتحان للعقل الجمعي، ولا يكون العقل حرا إذا حُصرت أمامه الأصوات، ولا يكون الاختيار واعيا إذا جرى تحصينه من كل خطاب لا يروق للسلطة التنظيمية.

إن المطلوب من «الهاكا» ليس أن تكون متساهلة، وإنما أن تكون دقيقة؛ وليس أن تترك المجال سائبا، وإنما أن تكون متناسبة؛ وليس أن تحمي الناخب من كل خطاب مؤثر، فهذا مستحيل، وإنما أن تمنع التأثير الذي يتحول إلى دعاية محظورة أو إكراه أو تمييز أو تضليل.

أما الاختلاف في الأفكار، حتى حين يأتي مرتديا جبة الدين، فليس جريمة إعلامية في ذاته.

وفي نهاية المطاف، فإن السؤال الذي يستحق أن يبقى معلقا في فضاء النقاش العام ليس: لماذا أوقفت الهاكا «دين ودنيا»؟

بل السؤال الأعمق:

هل نريد ناخبا لا يسمع إلا ما نسمح له بسماعه، أم مواطنا يسمع المختلف والمتناقض والمتعارض، ثم يذهب إلى الصندوق بعقله وقناعته ومسؤوليته؟

فالاختيار الحر لا يولد من الصمت.

إنه يولد من تعدد الأصوات، ومن قدرة المواطن على التمييز بينها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى