بعد تعيين سيدة حزب الجرار فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة المنبثقة عن الاستحقاقات التشريعية الأخيرة، انبرى عدد من الدعاة والفقهاء مرة أخرى للهجوم على هذا الاختيار، ليس من باب التشكيك في كفاءة من اختاره الملك لهذه المهمة، ولا طعنا في نتائج الانتخابات التي شابها التزوير، وتبين بجلاء دعم الدولة لحزب السيدة المختارة، ولكنهم تذمروا فقط لأن رئيس الحكومة هذه المرة امرأة وليس رجلا!! حيث أخرجوا من كيس حكاياتهم رواية مشهورة (ورب مشهور لا أصل له) ينسبون فيها حديثا للرسول الأكرم (ص) يقول فيه: “ما أفلح قوم ولوا أمرهم امرأة”، في تناقض واضح مع قصة مشهورة وردت في القرآن الكريم، أنصفت المرأة من موقع السلطة عندما قدمت قصة بلقيس ملكة سبأ مع نبي الله سليمان (ع).
ففي إيراد القرآن الكريم لهذه القصة دليل على بطلان متن هذه الرواية المتداولة، قبل الخوض في تحقيق أسانيدها وأحوال رواتها. ذلك أن الآية التي روت قصة بلقيس مع سليمان (ع) تعكس بجلاء حكمة بلقيس، من خلال تريثها عندما وصلها خبر سليمان من الهدهد، وذكائها في اختبار سليمان (ع) بالهدية التي أرسلتها إليه مع الوفد، ثم اختيارها الدخول معه في الأمر بعد اقتناعها بقوته ونفوذه و لتجنب قومها الدخول في حرب خاسرة معه..وهو مايدلل على قدرة المرأة على القيادة الحكيمة من مواقع النفوذ والسلطة، لا العكس كما يدعي الفقهاء التقليديون، سواء القدامى منهم، الذين يتجاهلون قصة بلقيس مع سليمان (ع)، رغم جلاء الدروس المستفادة منها، على رأسها أهلية المرأة لقيادة قومها نحو السلم والرخاء وتجنب الحرب رغم إصرار ذوي البأس في جيشها على تحدي سليمان (ع)، أو المعاصرين ممن شهدوا كيف قادت المستشارة أنجيلا ميركل ألمانيا نحو المجد والقوة لسنوات طوال، حيث تسنمت السلطة في هذا البلد لأربع ولايات متتالية (من 2005 إلى 2021). حيث تراجع نفوذ ألمانيا في الاقتصاد والسياسة مباشرة بعد خروجها من الحياة السياسية، حيث صارت ألمانيا مع المستشار الحالي (أولاف شولتس) مجرد تابع لأجندات أمريكا التي ورطت الأوروبيين في حرب استنزاف مع الدب الروسي.
وبعيدا عن الانتصار لأطروحات النسوية المتمردة على الرجل، فإن الفقه الإسلامي لازال فعلا رهين هيمنة عقلية ذكورية، لم تكتف باستثمار عدد من الروايات الموضوعة في الأزمنة التي تلت الفتن الأولى، خصوصا في بداية العهد الأموي، لكنها تجاوزت ذلك إلى تأويل عدد من النصوص القرآنية التي جاءت في سياقات خاصة، كتوصيف القرآن الكريم لنسوة يوسف (ع) في قوله تعالى: “إن كيدكن عظيم” بعد ظهور حقيقة المؤامرة التي قادتها امرأة العزيز ضده، ومحاولة إسقاط هذا الكيد على كل نساء الأرض منذ عهد آدم الذي أغوته حواء حسب الرواية المعروفة لأكل التفاحة إلى قيام الساعة!! مع أن الكيد لا يقتصر على النساء، بل على الرجال أيضا، وفي ذلك قصص لا تنتهي..
وفي الوقت الذي صارت فيه المرأة تحقق نجاحات قوية، في الغرب والشرق، من مختلف مواقع القيادة والمسؤولية، لازال بعض الفقهاء يجترون دون تحقيق هذه الرواية التي تخالف منطق تعامل القرآن مع المرأة، التي وقفت في وجه فرعون وربت موسى (ع)، وتحدت قومها وجاءتهم بكلمة الله عيسى (ع)، وفاطمة بنت محمد (ص) درة أهل البيت (ع) التي أذهب عنها الله الرجس في آية التطهير، فضلا عن أسماء كثيرة لنساء خلد التاريخ أسماؤهن، منهن مغربيات لازلنا نفتخر بهن وبعطائهن، كفاطمة الفهرية التي بنت جامعة القرويين في عهد الأدارسة، و زينب النفزاوية زوجة يوسف بن تاشفين المرابطي ذات الشخصية القوية، والسيدة الحرة التي حكمت شفشاون واشتهرت بالجهاد البحري ضد غزاة الشمال، وحديثا ثريا الشاوي أول ربانة مغربية، وعالمة الاجتماع فاطمة المرنيسي، الكاتبة والناشطة، وعالمة اجتماع، التي عالجت الموروث الإسلامي برؤية نقدية أنصفت من خلالها المرأة، ونوال المتوكل، البطلة التي رفعت راية المغرب في أولمبياد لوس أنجلوس 1984، كأول امرأة إفريقية تحصد الذهب. وفي المجال العلمي، نذكر رجاء الشرقاوي، العالمة التي صنفت بين أقوى 50 شخصية في مجال الفيزياء النووية عالميًا، وأسماء بوجيبار، كأول مغربية تلتحق بوكالة “ناسا”..وغيرهن كثير.
أخيرا، فإن الحكم على رئيسة الحكومة الجديدة من خلال جنسها كامرأة، هو حكم متحيز وغير موضوعي، ويحمل في طياته إهانة إلى المرأة المغربية، الأم والزوجة والأخت والإبنة. والطبيعي أن يتم الحكم عليها من خلال الإيفاء بالوعود التي قطعها حزبها أمام المواطنين، ومدى جديتها وكفاءتها في مواكبة الأوراش الكبرى التي تنخرط فيها المملكة، وكذا قدرتها على تنزيل السياسات الاجتماعية، خصوصا فيما يتعلق بالتعليم والصحة والتشغيل، ومراجعة غلاء الأسعار والضرائب التي أثقلت كاهل المواطنين المغاربة خلال السنوات الأخيرة، والأهم من كل هذا، التصدي للفساد الذي ينخر عددا من قطاعات الدولة مما باتت تداعياته السلبية تنعكس على حياة المغاربة، وتدفع الأجيال الصاعدة نحو الهروب من الوطن.
هكذا ترى الأمور في الدول الديموقراطية والمتقدمة، التي نسعى اليوم إلى محاكاة نموذجها، أما جنس المسؤول فهو مسألة ثانوية غير واردة البتة في رؤية وبرامج قادة هذه الدول الذين استطاعوا تحقيق الرخاء والاستقرار لشعوبهم.
د. محمد أكديد
باحث في علم الاجتماع السياسي