افتتاحية

من مشروع إصلاحي سياسي تاريخي إلى حسابات الحكومة.. «الكتلة» بين ذاكرة السياسة ومفاوضات الأغلبية والحقائب -الحنبلي عزيز

 الحنبلي عزيز

مع تقدم مشاورات تشكيل الحكومة، عاد إلى التداول تعبير يبدو جذاباً إعلامياً، لكنه يحتاج إلى كثير من الحذر السياسي والتاريخي: «عودة الكتلة».

فالتقارب الجاري بين حزب الأصالة والمعاصرة وكل من الاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية لا يعني، في حد ذاته، عودة الكتلة الديمقراطية التي عرفها المغرب في التسعينيات. تلك الكتلة كانت نتاج سياق سياسي مختلف، وولدت من رحم المعارضة ومن معركة الإصلاح الدستوري والديمقراطي، ولم تكن مجرد تجميع حسابي لثلاثة أحزاب حول مائدة حكومية.

الكتلة الديمقراطية ضمت، عند تأسيسها سنة 1992، خمسة مكونات: الاستقلال، الاتحاد الاشتراكي، التقدم والاشتراكية، الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، ومنظمة العمل الديمقراطي الشعبي. وهذه الأخيرة ارتبطت باسم محمد بنسعيد أيت إيدر، أحد أبرز وجوه اليسار والمعارضة المغربية، وانتقل جزء مهم من إرثها لاحقاً إلى مكونات يسارية اختارت مسارات وتحالفات مختلفة، من بينها قوى توجد اليوم خارج الحسابات الحكومية.

لذلك، فإن اختزال الكتلة التاريخية في ثلاثة أحزاب فقط، ثم الإعلان عن «عودتها» لمجرد احتمال اجتماع هذه الأحزاب داخل حكومة واحدة، هو قراءة سياسية مبتسرة، بل قد يتحول إلى نوع من التشويش على ذاكرة سياسية لها سياقها ورجالاتها ومواقفها.

المفارقة أن المشاورات الحالية لا تتحرك بمنطق الكتلة القديمة، بل بمنطق تشكيل أغلبية حكومية: من يدخل؟ من يبقى خارجها؟ من يحصل على أي حقيبة؟ ومن يضمن أي موقع داخل البرلمان؟

وهذا طبيعي في السياسة، لكنه شيء مختلف تماماً عن الحديث عن إعادة بناء تحالف تاريخي.

داخل التقدم والاشتراكية، النقاش واضح: المشاركة في الحكومة أو البقاء في المعارضة. نبيل بنعبد الله عرض الخيارين أمام اللجنة المركزية، فيما برزت أصوات داخل الحزب تدعو صراحة إلى المشاركة إذا كان العرض السياسي جدياً.

الاتحاد الاشتراكي بدوره يبدو أقرب إلى العودة إلى الحكومة، والاستقلال يتحرك من موقع تفاوضي متقدم، بينما تواصل فاطمة الزهراء المنصوري توسيع مشاوراتها مع أحزاب أخرى، من بينها الحركة الشعبية والاتحاد الدستوري والحركة الديمقراطية الاجتماعية.

أما التجمع الوطني للأحرار، فتدور حوله أسئلة كثيرة بشأن موقعه في التركيبة الجديدة، وسط حديث صحفي عن تحفظات لدى بعض الأطراف على مشاركته، من دون وجود إعلان رسمي نهائي يحسم الأمر.

هنا بالضبط تظهر خطورة الخلط بين التاريخ والحاضر.

إذا تشكلت الحكومة من الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية، فسيكون ذلك تحالفاً حكومياً جديداً يضم ثلاثة أحزاب تنتمي إلى تجربة الكتلة التاريخية، وليس «عودة للكتلة» بالمعنى السياسي والتنظيمي الذي عرفه المغرب في التسعينيات.

فالتحالفات لا تستعيد معناها بمجرد استعادة أسمائها.

الكتلة كانت مشروعاً للإصلاح السياسي في لحظة تاريخية محددة. أما ما يجري اليوم فهو مفاوضات على حكومة، برنامج، أغلبية، حقائب، ورئاسة مؤسسات.

الفرق كبير.

ومن حق الإعلام أن يبحث عن العنوان الجذاب، لكن ليس على حساب الدقة التاريخية. ومن حق الأحزاب أن تستثمر رمزية الماضي، لكن الذاكرة السياسية ليست ملكاً لمن يريد استخدامها لتجميل تحالفات الحاضر.

السؤال الحقيقي إذن ليس: هل عادت الكتلة؟

بل: هل ما يتشكل اليوم يحمل فعلاً شيئاً من روح الكتلة، من حيث الإصلاح السياسي والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والحريات، أم أننا أمام تحالف حكومي جديد يستعير من التاريخ اسماً أكبر من مضمونه؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى