تنوير -متابعة
رغم الكشف عن كتابات وتصريحات مثيرة للجدل داخل حزب التجمع الوطني الفرنسي، يواصل الحزب تعزيز حضوره في المشهد السياسي، في مفارقة تطرح تساؤلات عميقة حول حدود التطبيع مع اليمين المتطرف، ومدى تأثير الخطاب العنصري في توجهات الناخبين الفرنسيين.
فتحت صحيفة «لوموند» الفرنسية، في عددها الصادر يوم الخميس 8 أكتوبر 2026، ملف العنصرية ومعاداة السامية داخل حزب التجمع الوطني (RN)، الذي يقوده جوردان بارديلا، من خلال تحليلين تناولا العلاقة بين الموروث الأيديولوجي لليمين المتطرف واستراتيجيته الرامية إلى تقديم نفسه قوة سياسية تحظى بالاحترام والقبول داخل المجتمع الفرنسي.
وجاء المقال الأول، المنشور في الصفحة 29 من الصحيفة، تحت عنوان «التصريحات العنصرية داخل التجمع الوطني لم تنجح في تغيير صورته»، مستنداً إلى حوار مع الباحث في العلوم السياسية ألكسندر ديزيه، الأستاذ بجامعة مونبلييه، الذي تناول تداعيات المعلومات التي كشف عنها موقع «ميديابارت» بشأن كتابات معادية للسامية تعود إلى سنة 2013، نُسبت إلى جوردان بارديلا، رئيس الحزب.
العنصرية لم تعد عائقاً انتخابياً بالضرورة
يرى ألكسندر ديزيه أن هذه التسريبات وضعت التجمع الوطني في موقف محرج، لكنها لا تعني بالضرورة تراجع شعبيته أو انهيار استراتيجيته السياسية، خصوصاً أن الحزب أصبح يتوفر على قاعدة انتخابية متماسكة داخل المجتمع الفرنسي.
ويشير الباحث إلى أن التجمع الوطني نجح خلال السنوات الماضية في توسيع دائرة قبوله السياسي، رغم استمرار الجدل حول مواقف بعض مسؤوليه وخلفياتهم الأيديولوجية.
ويستحضر في هذا السياق تصريحات سابقة للقيادي لويس أليو، الذي اعتبر سنة 2013 أن معاداة السامية تشكل عائقاً أمام تصويت الفرنسيين لصالح الحزب، وهو ما يعكس إدراك قياداته المبكر لضرورة التخلص من بعض الصور السلبية المرتبطة بتاريخ اليمين المتطرف.
غير أن المفارقة، بحسب التحليل الذي قدمه الباحث، تكمن في أن هذه التحولات على مستوى الخطاب لم تقترن بالضرورة بتراجع جميع الأفكار المتشددة داخل القاعدة السياسية للحزب.
استطلاعات تكشف استمرار الأحكام المسبقة
ومن بين المعطيات اللافتة التي أوردتها «لوموند»، استناداً إلى تحليل ديزيه، أن استطلاعات اللجنة الوطنية الاستشارية لحقوق الإنسان في فرنسا سجلت مستويات مرتفعة من الأحكام المسبقة المعادية للسامية بين المتعاطفين مع التجمع الوطني.
فقد بلغت النسبة 55 في المائة سنة 2024، قبل أن تتراجع إلى 48 في المائة سنة 2025، وهي أرقام تعكس استمرار حضور هذه المواقف داخل جزء من القاعدة المتعاطفة مع الحزب.
وتطرح هذه المعطيات تساؤلات بشأن مدى نجاح استراتيجية «إزالة الشيطنة»، التي اعتمدتها مارين لوبان لتغيير الصورة التقليدية للتجمع الوطني، وإبعاده عن الإرث السياسي الذي ارتبط بتاريخ الجبهة الوطنية.
بين الاعتدال المعلن والخطاب المتشدد
يعتبر ألكسندر ديزيه أن التناوب بين الاعتدال الظاهر والتشدد الأيديولوجي ليس أمراً طارئاً على التجمع الوطني، بل يشكل عنصراً أساسياً في استراتيجيته السياسية.
فالحزب، وفق هذا التحليل، يستطيع تقديم خطاب مؤسساتي يسعى من خلاله إلى كسب ثقة قطاعات أوسع من الناخبين، وفي الوقت نفسه المحافظة على ارتباطه بالقواعد الأكثر تشدداً، عبر مواقف وتصريحات تستحضر بعض مرجعيات اليمين المتطرف.
ويلاحظ الباحث أن النقاش السياسي الفرنسي شهد تحولات جعلت بعض المواقف التي كانت مثيرة للرفض في السابق أكثر حضوراً في المجال العام، خصوصاً تلك المتعلقة بالهجرة والإسلام والهوية الوطنية.
كما يشير إلى أن التجمع الوطني استفاد من تحول النقاش حول معاداة السامية إلى أداة للصراع بين القوى السياسية، ولا سيما في سياق المواجهة مع حزب «فرنسا الأبية»، وهو ما أتاح له تقديم نفسه باعتباره طرفاً منخرطاً في مواجهة هذه الظاهرة.
جوردان بارديلا و«جيل سورال»
وفي مقال ثانٍ بالصفحة نفسها، تناولت الفيلسوفة الفرنسية بيرين سيمون ناهوم الخلفيات الفكرية والسياسية لجوردان بارديلا، معتبرة أنه ينتمي إلى ما تسميه «جيل سورال»، في إشارة إلى الجيل السياسي الذي تأثر بأفكار الكاتب والناشط الفرنسي ألان سورال، المرتبط بخطاب معادٍ للسامية.
وترى الباحثة أن قضية الكتابات المنسوبة إلى بارديلا لا ينبغي التعامل معها باعتبارها مجرد تصريحات معزولة، بل يجب النظر إليها ضمن السياق الفكري والسياسي الذي تشكلت فيه بعض تيارات اليمين المتطرف الفرنسي خلال العقد الثاني من الألفية الثالثة.
وتحذر سيمون ناهوم من اختزال معاداة السامية في مجرد موقف عدائي تجاه جماعة دينية، معتبرة أنها قد تتحول إلى تصور شامل للعالم، يقوم على صناعة الأعداء وتفسير الأزمات السياسية والاجتماعية من خلال نظريات المؤامرة.
وبالنسبة إليها، فإن خطورة هذا الخطاب تكمن في قدرته على تقويض أسس النقاش الديمقراطي، وتحويل الاختلاف السياسي إلى مواجهة تقوم على الكراهية والاتهامات والتصورات الإقصائية.
هل أصبحت العنصرية أقل تأثيراً في اختيارات الناخبين؟
تكشف القراءتان اللتان نشرتهما «لوموند» عن إشكالية تتجاوز حزب التجمع الوطني نفسه، وتتعلق بالتحولات العميقة التي يعرفها المجتمع السياسي الفرنسي.
فاستمرار الحضور الانتخابي لليمين المتطرف رغم الجدل بشأن تصريحات عنصرية أو معادية للسامية يثير سؤالاً أساسياً حول العلاقة بين الأحكام الأخلاقية التي تُطلق على الخطاب السياسي وبين السلوك الفعلي للناخبين.
كما يطرح تحدياً أمام الأحزاب والمؤسسات الديمقراطية الفرنسية، التي تجد نفسها مطالبة بمواجهة الأفكار العنصرية، دون الاكتفاء بإدانة التصريحات أو التعويل على أن الفضائح السياسية ستؤدي تلقائياً إلى إضعاف أصحابها.
وتخلص القراءة التي يقدمها ألكسندر ديزيه إلى أن التجمع الوطني استطاع، حتى الآن، الجمع بين السعي إلى اكتساب الشرعية السياسية والمحافظة على بعض عناصر خطابه المتشدد، في حين تحذر بيرين سيمون ناهوم من خطورة المرجعيات الفكرية المعادية للسامية على مستقبل النقاش الديمقراطي.
وبين السعي إلى اكتساب الاحترام السياسي واستمرار الجدل حول الإرث الأيديولوجي لليمين المتطرف، تبدو التجربة الفرنسية أمام اختبار يتعلق بقدرة الديمقراطية على التصدي للخطابات الإقصائية، ومدى استعداد المجتمع لمساءلة القوى السياسية عن مضامين خطابها، وليس فقط عن صورتها الانتخابية.
المصدر: صحيفة «لوموند» الفرنسية، عدد الخميس 8 أكتوبر 2026، الصفحة 29، قسم «أفكار» (Idées).