تنوير | متابعة
عين صاحب الجلالة الملك محمد السادس، اليوم الجمعة 16 أكتوبر 2026، الأستاذ الجامعي والفاعل السياسي السابق حسن طارق أميناً عاماً للحكومة، ضمن التشكيلة الحكومية الجديدة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري، في خطوة تنقل أحد أبرز الوجوه الأكاديمية والقانونية المغربية من رئاسة مؤسسة وسيط المملكة إلى مسؤولية الإشراف على التنسيق القانوني والتشريعي للعمل الحكومي.
ويأتي تعيين حسن طارق في هذا المنصب بعد مسار مهني ومؤسساتي متنوع، جمع بين التدريس الجامعي والبحث الأكاديمي والعمل البرلماني والمسؤوليات الدبلوماسية والمؤسساتية، مما جعله من الأسماء المرتبطة بالنقاش الدستوري والقانوني والسياسي في المغرب.
وازداد حسن طارق في فاتح يناير 1974 بمدينة البهاليل، بإقليم صفرو، وحصل على شهادة الدكتوراه في القانون العام من كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بالرباط، قبل أن يتدرج في مساره الأكاديمي إلى أستاذ للتعليم العالي، متخصص في القانون الدستوري والعلوم السياسية، بجامعة محمد الخامس بالرباط.
وشغل طارق منصب رئيس شعبة القانون العام والعلوم السياسية بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية السويسي بالرباط، خلال الفترة الممتدة بين سنتي 2017 و2019، كما تولى مهمة منسق شبكة رؤساء شعب القانون العام والعلوم السياسية بالمغرب، في إطار انخراطه في تطوير البحث الجامعي والتكوين القانوني.
وعلى المستوى المهني، استهل حسن طارق مساره في الإدارة العمومية مفتشاً بوزارة المالية بين سنتي 1997 و2002، قبل أن يشغل منصب مستشار بديوان كاتب الدولة المكلف بالشباب خلال الفترة الممتدة بين 2002 و2007، وهي تجربة مكنته من الاطلاع على آليات اشتغال الإدارة العمومية وتدبير السياسات القطاعية.
كما راكم تجربة سياسية وبرلمانية، بعدما انتخب نائباً بمجلس النواب خلال الولاية التشريعية 2011-2016، حيث كان عضواً بلجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان، وشارك في النقاشات التشريعية المرتبطة بالإصلاحات الدستورية والمؤسساتية التي شهدها المغرب خلال تلك المرحلة.
وعرف حسن طارق أيضاً بانتمائه السابق إلى حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، حيث شغل عضوية مكتبه السياسي، قبل انتقاله إلى مهام دبلوماسية ومؤسساتية، في مسار جمع بين العمل الحزبي والممارسة البرلمانية والبحث الأكاديمي.
وفي المجال الفكري، ساهم طارق في عدد من الدراسات والمؤلفات المرتبطة بالدستورانية والتحولات السياسية والديمقراطية، ومن أبرز أعماله كتاب «الربيع العربي والدستورانية»، الذي حصل من خلاله على جائزة المغرب للكتاب سنة 2015، وهو ما يعكس اهتمامه بقضايا الإصلاح الدستوري وتطور المؤسسات السياسية.
وفي فبراير 2019، عين حسن طارق سفيراً للمملكة المغربية لدى الجمهورية التونسية، حيث تولى هذه المهمة الدبلوماسية إلى غاية مارس 2025، قبل أن يعينه الملك محمد السادس، يوم 24 مارس من السنة نفسها، وسيطاً للمملكة، على رأس مؤسسة دستورية مستقلة تعنى بحماية حقوق المرتفقين وتحسين العلاقة بين الإدارة والمواطنين.
وخلال فترة توليه مسؤولية وسيط المملكة، ركز حسن طارق في عدد من مداخلاته ولقاءاته على تطوير مفهوم الوساطة المؤسساتية، والانتقال من معالجة التظلمات الفردية إلى المساهمة في تجويد السياسات العمومية وتحسين الحكامة الإدارية وتعزيز الثقة بين المواطنين والمرافق العمومية.
كما دافع عن أهمية تحديث آليات عمل مؤسسة الوسيط، وتطوير الخدمات الرقمية، وتوسيع حضور الوساطة على المستوى الترابي، مع التأكيد على ضرورة مراعاة الفوارق المجالية وضمان استفادة المواطنين من الخدمات الإدارية بشكل عادل ومتوازن.
ويشكل انتقال حسن طارق إلى الأمانة العامة للحكومة تحولاً جديداً في مساره، بالنظر إلى الطبيعة القانونية والتقنية لهذه المؤسسة، التي تضطلع بدور محوري في تنسيق العمل التشريعي والتنظيمي للحكومة، ودراسة مشاريع القوانين والمراسيم، والتأكد من انسجامها مع الدستور والمنظومة القانونية الوطنية.
وتتولى الأمانة العامة للحكومة، بموجب اختصاصاتها التنظيمية، دراسة مشاريع النصوص التشريعية والتنظيمية التي تحيلها عليها مختلف القطاعات الوزارية، وإعداد الترتيبات القانونية اللازمة لعرضها على مجلس الحكومة أو المجلس الوزاري، فضلاً عن تقديم الاستشارات القانونية للحكومة والمؤسسات العمومية وتتبع مسار النصوص المصادق عليها.
كما تشرف على تدبير عدد من الملفات القانونية المرتبطة بنشر النصوص في الجريدة الرسمية، وتتبع التشريعات المنظمة للجمعيات والمهن المنظمة، إلى جانب تطوير جودة الصياغة التشريعية وتحديث المنظومة القانونية وتيسير الولوج إلى المعلومة القانونية.
ويأتي تعيين حسن طارق في مرحلة يرتقب أن تشهد إعداد وتنزيل مجموعة من الإصلاحات التشريعية والتنظيمية المرتبطة بالأوراش الحكومية الكبرى، خاصة في مجالات الاستثمار والحماية الاجتماعية والإصلاح الإداري والتحول الرقمي وتطوير الخدمات العمومية.
وتطرح هذه المرحلة تحديات تتعلق بتعزيز التنسيق القانوني بين القطاعات الوزارية، وتسريع وتيرة إعداد النصوص التطبيقية، وضمان جودة التشريعات وانسجامها، إلى جانب مواكبة التحولات الاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية التي تتطلب تحيين عدد من القوانين والأنظمة المعمول بها.
كما يمثل تطوير تقنيات التشريع وتبسيط المنظومة القانونية وتحسين الولوج إلى النصوص التنظيمية من الملفات التي تندرج ضمن اختصاصات الأمانة العامة للحكومة، في ظل تزايد الحاجة إلى نصوص قانونية واضحة وقابلة للتطبيق ومتناسقة مع مختلف الإصلاحات القطاعية.
وبين تجربته في العمل البرلماني والدبلوماسي، ومساره في البحث الجامعي والقانون الدستوري، وقيادته لمؤسسة وسيط المملكة، ينتقل حسن طارق إلى موقع حكومي يتطلب التنسيق المستمر مع مختلف الوزارات والمؤسسات الدستورية، ومواكبة إعداد النصوص القانونية التي تؤطر تنفيذ السياسات العمومية.
ويضع هذا التعيين حسن طارق أمام مسؤولية جديدة في مرحلة تتسم بتعدد المشاريع الإصلاحية وتنامي الحاجة إلى تعزيز الأمن القانوني وجودة التشريع، بما يجعل من الأمانة العامة للحكومة مؤسسة أساسية في مواكبة البرنامج الحكومي وضمان احترام المساطر القانونية والدستورية.
ويبقى الرهان المطروح أمام الأمين العام الجديد للحكومة هو مدى مساهمة المؤسسة، خلال المرحلة المقبلة، في تحسين جودة الإنتاج التشريعي، وتبسيط المساطر، وتعزيز التنسيق بين القطاعات الحكومية، بما يواكب متطلبات الإصلاح الإداري والمؤسساتي ويساهم في تطوير فعالية العمل الحكومي.