وجهة نظر

حكومة فاطمة الزهراء المنصوري: قراءة اقتصادية في التعيينات الجديدة وما الذي يمكن أن يتغير في المغرب؟ تحليل اقتصادي – هشام فرجي

   إن قراءة التعيينات الحكومية الجديدة في المغرب من الزاوية الاقتصادية تقتضي تجاوز أسماء الوزراء وصفاتهم، والبحث في السؤال الأهم: هل نحن أمام تغيير في الأشخاص فقط، أم أمام تحول في طريقة تدبير الاقتصاد الوطني وتوزيع الثروة وخلق فرص الشغل؟

في 16 أكتوبر 2026، جرى تنصيب حكومة فاطمة الزهراء المنصوري، في سابقة تاريخية باعتبارها أول امرأة تتولى رئاسة الحكومة المغربية. ومن أبرز التغييرات تعيين فوزي لقجع وزيرًا للاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية، وإسناد حقيبة التربية الوطنية إلى نبيل بنعبد الله، وإحداث وزارة للذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي وإصلاح الإدارة برئاسة أحمد رحو. وفي المقابل، استمر عدد من الوزراء في مناصبهم الاستراتيجية.

هذه التشكيلة تطرح ثلاث مسائل اقتصادية مترابطة: استمرارية الاختيارات الكبرى، والبحث عن نجاعة أكبر في الإنفاق العمومي، ومدى قدرة الدولة على تحويل الاستثمارات الضخمة إلى تحسن ملموس في معيشة المواطنين.

أولًا: ماذا تقول التعيينات عن التوجه الاقتصادي للحكومة؟

1\. فوزي لقجع: من تدبير الميزانية إلى قيادة الاقتصاد والمالية

تعيين فوزي لقجع على رأس وزارة الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية هو أبرز مؤشر اقتصادي في التشكيلة الجديدة. فقد سبق له الاشتغال في تدبير الميزانية، ما يمنحه معرفة بآليات المالية العمومية.

التحدي الحقيقي أمامه هو الانتقال من ضبط الأرقام إلى تحسين أثر الإنفاق العمومي: كم منصب شغل أحدثه كل استثمار؟ وما مقدار القيمة المضافة التي حققها؟ وهل وصلت الخدمات العمومية إلى الفئات والمناطق التي تحتاجها؟

الرهان: أن تصبح النجاعة العمومية معيارًا لتقييم السياسات والبرامج، لا مجرد إضافة في اسم الوزارة.

2\. وزارة الذكاء الاصطناعي: إشارة إلى اقتصاد المستقبل

إحداث وزارة للذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي وإصلاح الإدارة، بقيادة أحمد رحو، يحمل دلالة اقتصادية مهمة. فالرقمنة والذكاء الاصطناعي يمكن أن يسهما في تقليص تكاليف المعاملات، وتسريع الاستثمار، وتحسين تحصيل الموارد العمومية، ورفع إنتاجية المقاولات.

لكن النجاح يتطلب أكثر من إحداث الوزارة: بنية تحتية رقمية، وكفاءات مؤهلة، وحماية للمعطيات، وتنسيقًا بين القطاعات، وتقييمًا للعائد الاقتصادي من المشاريع الرقمية.

الرهان: تحويل الذكاء الاصطناعي إلى أداة لزيادة الإنتاجية وخلق فرص العمل، بدل الاكتفاء برقمنة الإجراءات القائمة.

3\. التعليم والتكوين: الاستثمار الذي يحدد إنتاجية المغرب

إسناد حقيبة التربية الوطنية إلى نبيل بنعبد الله يجعل ملف التعليم أحد المحاور التي تستحق المراقبة الاقتصادية الدقيقة.

فالتعليم الجيد يرفع مهارات العاملين، ويحسن قابلية الشباب للتوظيف، ويقلص كلفة الهدر المدرسي على المدى الطويل. كما أن التكوين المهني وربط الجامعات بحاجات المقاولات يحددان قدرة المغرب على جذب الاستثمارات ذات القيمة المضافة المرتفعة.

الرهان: بناء صلة فعلية بين المدرسة والجامعة والتكوين المهني وسوق الشغل، مع قياس النتائج بحسب التعلمات والتشغيل والإنتاجية.

ثانيًا: قراءة التعيينات بحسب القطاعات الاقتصادية

الصناعة والاستثمار والتجارة

استمرار رياض مزور في حقيبة الصناعة والتجارة والاستثمار والإدماج الاقتصادي يعكس توجهًا نحو الاستمرارية في السياسة الصناعية. المعيار الحاسم هو قدرة الاستثمارات على خلق وظائف مستقرة، وزيادة الصادرات، ورفع نسبة المكونات المحلية في الإنتاج، وتقوية المقاولات المغربية الصغيرة والمتوسطة.

الفلاحة والسيادة الغذائية

تعيين خالد حاتيمي على رأس قطاع الفلاحة والصيد البحري والسيادة الغذائية يضع الأمن الغذائي في صلب النقاش الاقتصادي. ويقتضي ذلك تدبيرًا أكثر كفاءة للمياه، وتحسين مردودية الإنتاج، وتقوية سلاسل التوزيع والتخزين، وحماية القدرة الشرائية من تقلبات أسعار المواد الأساسية.

الطاقة والماء والبنيات التحتية

استمرار نزار بركة في قطاع التجهيز والماء والغابات، مع تعيين شرفات أفيلال على رأس قطاع الطاقة والمعادن والتنمية المستدامة، يبرز أهمية الأمن المائي والطاقي. وهذه ملفات ترتبط مباشرة بكلفة الإنتاج الصناعي والفلاحي، وبقدرة المغرب على مواجهة الجفاف وتقلب أسعار الطاقة.

التشغيل والحماية الاجتماعية

تعيين عبد الرحيم شهيد وزيرًا للتشغيل والحوار الاجتماعي يضع ضغطًا إضافيًا على الحكومة لتقديم نتائج ملموسة في سوق العمل. فالنمو الاقتصادي يظل محدود الأثر اجتماعيًا حين تتركز ثماره في قطاعات كثيفة رأس المال أو في مناطق بعينها.

المطلوب هو توسيع فرص العمل اللائق، وتيسير ولوج الشباب والنساء إلى الشغل، وتحسين ظروف العمل، وتقوية الاقتصاد المنتج خارج المراكز الكبرى.

ثالثًا: هل تستطيع الحكومة الجديدة تغيير النموذج الاقتصادي؟

هنا يكمن جوهر المسألة. فالتغيير في التشكيلة الوزارية يكتسب قيمته من قدرته على تصحيح الاختلالات البنيوية للاقتصاد المغربي.

1\. من نمو الاستثمارات إلى نمو فرص الشغل

يستعد المغرب لاستحقاقات مونديال 2030 باستثمارات ضخمة في البنيات التحتية والمرافق والخدمات. وقدّرت رويترز حجم الدفع الاستثماري المرتبط بالتحضير لكأس العالم بنحو 20 مليار دولار.

يمكن لهذه الاستثمارات أن تنشط البناء والسياحة والنقل والخدمات، وتفتح أسواقًا جديدة أمام المقاولات المغربية. غير أن الأثر النهائي يتوقف على نسبة المشتريات المحلية، ونوعية الوظائف المستحدثة، واستمرار النشاط الاقتصادي بعد انتهاء المشاريع.

ومن الضروري التمييز بين ثلاثة مؤشرات:

* حجم الأموال المستثمرة.

* القيمة المضافة والإنتاجية التي تولدها تلك الأموال.

* نصيب المواطنين من المكاسب عبر الأجور والتشغيل والخدمات.

قد تنجح الدولة في إنجاز منشآت كبرى، بينما تظل آثارها محدودة على دخل الأسر إذا لم تتوسع قاعدة الإنتاج والتشغيل.

2\. من التوازنات المالية إلى العدالة الاقتصادية

تواجه وزارة الاقتصاد والمالية معادلة صعبة: تمويل التعليم والصحة والحماية الاجتماعية والبنيات التحتية، مع الحفاظ على استدامة المالية العمومية.

والحل لا يكمن في زيادة الإنفاق وحدها، ولا في تقليصه بصورة آلية. بل في رفع مردوديته، وتوسيع القاعدة الإنتاجية والضريبية، ومحاربة الهدر، وتحسين توجيه الدعم، وتقييم البرامج وفق نتائج قابلة للقياس.

الاختبار الحقيقي لفوزي لقجع سيكون مدى قدرة المالية العمومية على الجمع بين الانضباط المالي وتحسين مستوى الخدمات وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية.

3\. من اقتصاد المشاريع الكبرى إلى اقتصاد المقاولات

تحتاج التنمية المستدامة إلى شركات قادرة على الابتكار والتصدير والتوسع، وإلى بيئة أعمال تسمح للمقاولات الصغيرة والمتوسطة بالنمو.

وتشمل الأولويات تبسيط المساطر، وتحسين الولوج إلى التمويل، وتطوير المنافسة، وتسهيل ولوج المنتجات المغربية إلى الأسواق الخارجية، وربط البحث العلمي بحاجات الاقتصاد.

وهنا يمكن للوزارة الجديدة المكلفة بالذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي أن تضطلع بدور اقتصادي مباشر عبر تقليل الكلفة الإدارية، وتحسين المعلومات المتاحة للمستثمرين، وتسريع معالجة الملفات.

رابعًا: ما الجديد فعلًا في هذه الحكومة؟

تكشف التعيينات الجديدة عن أربعة مؤشرات اقتصادية تستحق التوقف عندها. أولها تعيين فوزي لقجع على رأس وزارة الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية، بما يفتح المجال أمام التركيز على ترشيد الإنفاق وتحسين مردودية الاستثمارات العمومية، مع ضرورة مراقبة تطور العجز والمديونية ومدى انعكاس الميزانية على الخدمات المقدمة للمواطنين. وثانيها إحداث وزارة للذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي وإصلاح الإدارة، في إشارة إلى الرغبة في جعل التكنولوجيا رافعة لتحديث الإدارة ورفع الإنتاجية وتحسين مناخ الأعمال، وهو توجه لن تتضح قيمته إلا من خلال نتائجه العملية وكلفته الاقتصادية. أما المؤشر الثالث فيتعلق بإعادة ترتيب بعض الحقائب المرتبطة بالتعليم والتشغيل، بما يطرح ضرورة تعزيز العلاقة بين التكوين وحاجات سوق الشغل، وتحويل الرأسمال البشري إلى مصدر حقيقي للنمو. ويتمثل المؤشر الرابع في استمرار عدد من الوزراء في مواقع استراتيجية، وهو ما يعكس توجهًا نحو الحفاظ على استمرارية السياسات الكبرى، مع إفساح المجال لإدخال تعديلات قطاعية. وبناءً على ذلك، يبدو أن الحكومة تجمع بين الاستمرارية وإعادة ترتيب الأولويات، غير أن الحكم على مدى حدوث تحول اقتصادي فعلي يظل رهينًا بما ستقدمه من إجراءات ملموسة، وبما سيكشف عنه البرنامج الحكومي ومشروع قانون المالية لسنة 2027 من أهداف والتزامات قابلة للتقييم.

خامسًا: ما المؤشرات التي ستكشف نجاح الحكومة؟

أقترح متابعة ستة مؤشرات خلال السنة الأولى من عملها:

التشغيل: عدد الوظائف الصافية المستحدثة، ونوعية العقود، وتشغيل الشباب والنساء.

القدرة الشرائية: تطور أسعار الغذاء والسكن والنقل والخدمات الأساسية مقارنة بالدخل.

جودة النمو: الإنتاجية والقيمة المضافة والصادرات، وليس معدل النمو الإجمالي وحده.

المالية العمومية: العجز والدين وكلفة خدمته، مع قياس أثر الإنفاق على الخدمات العامة.

الرأسمال البشري: نتائج التعليم والتكوين، ومعدلات الهدر المدرسي والاندماج في سوق الشغل.

العدالة المجالية:توزيع الاستثمارات والخدمات وفرص الشغل بين المدن والقرى والجهات.

الخلاصة: تغيير الأسماء أم تغيير النتائج؟

تمنح الحكومة الجديدة إشارات مهمة، خاصة بتعيين مسؤول جديد على رأس المالية، وإحداث حقيبة للذكاء الاصطناعي، وإعادة توزيع بعض القطاعات. لكن هذه الإشارات تظل وعودًا ضمنية إلى أن تتحول إلى سياسات ممولة، وأهداف واضحة، ونتائج يمكن للمواطنين التحقق منها.

اقتصاديًا، لا يكمن التحدي الأكبر للمغرب في جذب الاستثمارات وحده، وإنما في تحويلها إلى إنتاجية أعلى، وشغل مستقر، وخدمات عمومية أفضل، وقدرة شرائية أكثر صمودًا، وتفاوتات أقل بين المجالات والفئات.

أما المعيار الذي ينبغي أن تُقاس به الحكومة فهو بسيط في صياغته، عميق في مضمونه: كم أضافت إلى الاقتصاد الوطني؟ وكم حسّنت من حياة المواطن؟ ومن استفاد فعلًا من ثمار النمو؟

هذه هي الأسئلة التي ستحدد القيمة الاقتصادية الحقيقية للتعيينات الجديدة، أكثر من الأسماء أو الوعود أو الرمزية التاريخية لرئاسة امرأة للحكومة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى