إلى المدعو محمد عمورة، وإلى كل الذين يلومون المغاربة على تضامنهم مع فلسطين، ويتساءلون ببرود مستفز: هل سبق أن رأيتم فلسطينيا يتضامن مع المغرب وقضاياه؟ نقول لهم: اقرأوا التاريخ قبل أن تتطاولوا على الذاكرة، وتفقهوا في موازين الوفاء قبل أن تنصبوا أنفسكم أوصياء على ضمائر الناس. أما أنت، يا محمد عمورة، فقبل أن تلقي بسؤالك في وجه المتضامنين مع فلسطين، كان الأجدر بك أن تطرق أبواب التاريخ، وأن تنفض الغبار عن صفحاته، عوض أن تختزل العلاقات بين الشعوب في منطق المقايضة الرخيصة: ماذا أعطونا حتى نعطيهم؟ وماذا قدموا لنا حتى نقف معهم؟ فالتضامن ليس فاتورة تجارية، والوفاء ليس صفقة تنتظر مقابلا، والقضايا العادلة لا توزن بميزان الربح والخسارة.
إن العلاقة بين المغرب وفلسطين ليست وليدة منشور عابر، ولا انفعالا عاطفيا طارئا، بل هي امتداد تاريخي من التفاعل والتناصر والتعاطف في مواجهة الاستعمار والاحتلال. وحين كان الاستعمار الفرنسي يجثم على صدور أجدادنا وأجدادك المغاربة، لم تكن فلسطين غائبة عن معركة التحرر الوطني المغربي، بل برزت شخصيات فلسطينية وعربية ساندت قضيتنا الوطنية، وآمنت بأن معركة الحرية لا تتجزأ، وأن مقاومة الاستعمار في المغرب لا تنفصل عن مقاومة الظلم في فلسطين. أول هؤلاء إبراهيم طوقان، الشاعر الفلسطيني الكبير، الذي ارتبط اسمه بالتعبير عن التضامن مع الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي، قائد المقاومة الريفية، في زمن كانت فيه مقاومة الاستعمار الإسباني والفرنسي امتحانا حقيقيا لكرامة الشعوب العربية.
ثم يأتي محمد علي الطاهر، الصحفي الفلسطيني وصاحب جريدة الشورى بالقاهرة، الذي جعل من قلمه منبرا للدفاع عن قضايا التحرر العربي، واحتضن في فضائه الصحفي هموم الوطنيين المغاربة والمشارقة، في مرحلة كانت فيها الكلمة الحرة نفسها فعلا من أفعال المقاومة، وكانت الصحافة الوطنية تواجه رقابة الاستعمار ومحاولاته خنق الأصوات المطالبة بالاستقلال.
ونستحضر كذلك أكرم زعيتر، المؤرخ والسياسي الفلسطيني، الذي ارتبط اسمه بمناصرة القضية المغربية، واهتم بقضية الظهير البربري وما أثاره من رفض وطني واسع، كما تحدثت كتابات تاريخية مغربية عن أثر الطلبة المغاربة الذين درسوا في مدرسة النجاح بنابلس، وعن تفاعلهم مع الوسط الثقافي الفلسطيني ومواقف التضامن مع نضالهم الوطني.
ونستحضر أيضا الحاج أمين الحسيني، مفتي فلسطين وأحد أبرز وجوه الحركة الوطنية الفلسطينية، الذي ارتبط اسمه بجهود التضامن العربي مع حركات التحرر، وبصلات مع رجال الحركة الوطنية المغربية في القاهرة، وفي مقدمتهم علال الفاسي. ولم تكن القضية المغربية معزولة عن الصحافة العربية والمنتديات السياسية في المشرق، بل كانت حاضرة في النقاشات التي تناولت الاستعمار وحق الشعوب في الاستقلال، وكان الوطنيون المغاربة يبحثون عن كل صوت حر يستطيع إيصال قضيتهم إلى الرأي العام العربي والدولي.
هذه نماذج من تاريخ التضامن، وليست ادعاء بأن كل فلسطيني ساند المغرب، ولا ترخيصا بتداول كل رواية تاريخية دون تمحيص؛ فالتاريخ أكبر من المبالغات، والحقيقة لا تحتاج إلى اختلاق الوقائع حتى تثبت عمق الروابط بين الشعوب. لكن السؤال الذي يفرض نفسه عليك، يا محمد عمورة، هو: هل بحثت فعلا في هذا التاريخ قبل أن تسأل؟ وهل كلفت نفسك عناء مراجعة المصادر والوثائق، أم أنك جعلت حدود معرفتك الشخصية سقفا لما وقع في الماضي؟ إن عدم معرفتك بواقعة لا يعني أنها لم تقع، وعدم اطلاعك على اسم لا يعني أنه لم يسهم في نصرة قضية المغرب، والجهل بصفحات من التاريخ ليس حجة لإدانة من يستلهم منها مواقفه. ثم لنفترض، جدلا، أن فلسطينيا لم يتضامن مع المغرب في قضية معينة، فهل يسقط ذلك حق الفلسطينيين في الحرية والكرامة؟ وهل يصبح الاحتلال مقبولا لأن شعبا لم يقدم لك، في تقديرك، ما يكفي من التضامن؟ وهل ينبغي للمغربي أن ينتظر شهادة حسن سلوك من الفلسطينيين قبل أن يرفض قتل أطفالهم وتهجير أسرهم وهدم بيوتهم ومحاصرة شعبهم؟ أي منطق هذا الذي يحول المأساة الإنسانية إلى دفتر حسابات، ويجعل نصرة المظلوم رهينة انتظار المقابل؟ إن المغاربة الأحرار لا يتضامنون مع فلسطين طلبا لجزاء أو شكور، ولا ينتظرون من الفلسطينيين أن يصفقوا لهم كي يطمئنوا إلى أخلاقية موقفهم، وإنما يتضامنون لأنهم يعرفون معنى الاستعمار، ويدركون أن الظلم لا يصبح مقبولا حين يقع على شعب بعيد، ولا يفقد قبحه حين يكون ضحاياه من غير أبناء الوطن.
والمغرب الذي خبر مرارة الحماية والاستعمار، وذاق أبناؤه قسوة القهر والنفي ومصادرة القرار الوطني، يفترض أن يكون أكثر الشعوب إدراكا لمعنى أن يحرم الإنسان من أرضه وحريته وحقه في تقرير مصيره. فهل كان المغاربة سيقبلون أن يقول لهم العالم إبان الاستعمار الفرنسي: لن نتضامن معكم حتى تثبتوا أنكم تضامنتم معنا أولا؟ وهل كان مثل هذا الشرط سيصبح موقفا نبيلا لو صدر عن صحفي يعتد بمكانته؟ إن التاريخ يعلمنا أن حركات التحرر لم تنتصر بفضل الحسابات الضيقة وحدها، بل بفضل الأصوات الحرة التي آمنت بحق الشعوب في الانعتاق، حتى حين لم تكن تربطها بها مصلحة مباشرة.
أما ما يستحق النقد في تعليقك، يا محمد عمورة، فهو هذه النبرة التي توحي بأنك تقف فوق الناس لتلقنهم كيف ينبغي أن يفكروا، وكأنك تملك وحدك حق تحديد القضايا التي تستحق التعاطف، وكأن المغاربة مطالبون بعرض ضمائرهم على منصتك حتى تمنحهم صك الوطنية أو تسحبه منهم.
إن الصحافة ليست منصة للاستعلاء على الناس، ولا الصفة المهنية تمنح صاحبها حصانة من النقد، بل تضع على عاتقه مسؤولية مضاعفة في التحري والإنصاف واحترام ذكاء الجمهور. وإذا كان من حقك أن تسأل، فمن حق الناس أيضا أن يسألوك: هل قرأت تاريخ التضامن العربي قراءة متأنية، أم اكتفيت بانطباع شخصي ثم قدمته للناس في صورة حكم نهائي؟ وهل بحثت عن الفلسطينيين الذين ساندوا النضال المغربي، أم أنك قررت مسبقا أنهم لم يفعلوا شيئا، ثم طالبت الآخرين بأن يبنوا مواقفهم على هذا الافتراض؟ إن الصحفي الذي يجعل ما لا يعرفه دليلا على عدم وجوده لا يمارس البحث، بل يسقط جهله على التاريخ، والذي يتعامل مع اختلاف الناس معه باعتباره نقصا في وعيهم، لا يقدم حجة بقدر ما يكشف عن ضيق أفقه.
يا محمد عمورة، تواضع أمام التاريخ قبل أن تحاكم الناس، واقرأ قبل أن تستنكر، وابحث قبل أن تطلق الأحكام. فالمغاربة الذين يتضامنون مع فلسطين ليسوا بحاجة إلى إذن منك، ولا إلى شهادة منك في وطنيتهم، ولا إلى تبرير إنسانيتهم أمامك. ومن حقك أن تختلف معهم في الوسائل والتقديرات، لكن ليس من حقك أن تجعل اختلافك مقياسا لوعيهم أو معيارا لوفائهم لوطنهم.
إن الوطنية المغربية الحقة لا تضيق بالعدل، والكرامة المغربية لا تنتقص حين تنحاز إلى كرامة الفلسطينيين، ومن اختبر مرارة الاستعمار يفترض أن يكون أقدر على فهم آلام الشعوب الواقعة تحت الاحتلال. وخلاصة القول، لسنا مطالبين بأن نغلق قلوبنا أمام فلسطين حتى نرضي من لا يرى في التضامن إلا حسابات المقابل، ولسنا مضطرين إلى تزوير التاريخ كي ندافع عن قضية عادلة، فالحقيقة وحدها تكفي.
أما أنت، يا محمد عمورة، فبدلا من أن تسأل المغاربة لماذا يتضامنون مع فلسطين، حاول أن تسأل نفسك لماذا تريد إخضاع موقف إنساني نبيل لمحاكمة ضيقة لا تستقيم مع التاريخ ولا مع أبسط معاني العدالة. فليس كل سؤال علامة وعي، وليس كل اعتراض دليلا على عمق التفكير؛ وأحيانا لا يكشف السؤال عن قصور القضية التي يناقشها بقدر ما يكشف عن ضيق الأفق الذي صيغ منه.