تنوير | متابعة
عاد مستقبل السوق الأسبوعي «اثنين برشيد» إلى واجهة النقاش المحلي، على خلفية تداول معطيات ونقاشات عبر مواقع التواصل الاجتماعي بشأن احتمال إلغائه أو نقله من موقعه الحالي، في وقت تتصاعد فيه التساؤلات حول جدوى هذه الخطوة، ومصير الاستثمارات العمومية التي خُصصت لإنجاز السوق الجديد، الذي لم تمض على افتتاحه سوى أربع سنوات.
ويشكل السوق الأسبوعي لمدينة برشيد واحداً من الفضاءات التجارية التي ارتبطت تاريخياً بالحياة الاقتصادية والاجتماعية لمنطقة أولاد احريز، باعتباره نقطة التقاء أسبوعية للتجار والحرفيين والكسابة والفلاحين الصغار، وفضاءً لترويج المنتجات الفلاحية والسلع المختلفة، فضلاً عن دوره في توفير فرص العمل وتنشيط الحركة التجارية بالمدينة والجماعات المجاورة.
وجاءت عودة هذا الملف إلى الواجهة عقب تداول منشورات واستطلاعات رأي حول مستقبل السوق، وهو ما دفع اللجنة التحضيرية لفيدرالية اليسار الديمقراطي ببرشيد إلى إصدار بلاغ إخباري وتنديدي، تساءلت فيه عن الجهات التي تقف وراء هذه النقاشات، وما إذا كانت تهدف إلى تهيئة الرأي العام المحلي لقبول قرار محتمل بإلغاء السوق أو نقله.
واعتبرت اللجنة أن حصر النقاش في خيارين، الإلغاء أو الإبقاء، يتجاهل جوهر الإشكال المرتبط بتدبير هذا المرفق وصيانته وتأهيل بنيته التحتية. كما استحضرت تجربة السوق الأسبوعي القديم، الذي جرى إغلاقه ونقل أنشطته، وما رافق العملية من صعوبات بالنسبة إلى عدد من الباعة والتجار.
وكان السوق الأسبوعي الجديد بطريق الكارة قد افتتح رسمياً في 7 مارس 2022، بعد سنوات من الانتظار، في إطار مشروع يروم إعادة تنظيم الأنشطة التجارية والتخفيف من الإكراهات التي كان يطرحها السوق القديم وسط المدينة، خصوصاً في ما يتعلق بحركة السير والجولان واستغلال الفضاءات العمومية.
غير أن المشروع، الذي بلغت كلفته وفق تقارير صحفية نحو 42 مليون درهم، ويمتد على مساحة تناهز عشرة هكتارات، سرعان ما واجه انتقادات بسبب وضعية بنيته التحتية، بعدما كشفت التساقطات المطرية، بعد أيام قليلة من افتتاحه، عن مشاكل في تصريف المياه وتراكم الأوحال داخل بعض ممراته.
وتجددت هذه المشاكل خلال فترات لاحقة، ما أعاد طرح تساؤلات حول جودة الأشغال المنجزة، ومدى احترام المعايير التقنية ودفتر التحملات، فضلاً عن مسؤولية الجهات المكلفة بتتبع المشروع وصيانته.
وفي هذا السياق، طالبت اللجنة التحضيرية لفيدرالية اليسار الديمقراطي بالكشف عن ظروف إنجاز صفقة السوق، ومختلف المعطيات المتعلقة بتدبيره، بما فيها المداخيل المحصلة والنفقات المخصصة للصيانة والتأهيل، داعية إلى تفعيل آليات المراقبة والمحاسبة عند ثبوت أي اختلالات.
وتطرح هذه المطالب إشكالية أوسع تتعلق بتدبير الاستثمارات العمومية المحلية؛ إذ إن إنجاز مرفق تجاري بكلفة مالية مهمة يفترض أن يواكبه برنامج للصيانة والتحديث، بما يضمن استمرارية خدماته ويحافظ على المال العام المستثمر فيه.
ومن جهة أخرى، يكتسي سوق الاثنين أهمية خاصة بالنظر إلى الطبيعة الفلاحية لمنطقة أولاد احريز، حيث يشكل منفذاً لتسويق المنتجات الزراعية وتبادل السلع والماشية، ويتيح لصغار المنتجين والتجار الوصول المباشر إلى المستهلكين دون الاعتماد الكلي على شبكات التوزيع الكبرى.
ولا تنحصر أهمية السوق في المبادلات التجارية المباشرة، بل تمتد إلى أنشطة النقل والخدمات والمطاعم والمقاهي والحرف المرتبطة بالحركة الأسبوعية، ما يجعل تأثير أي تغيير في موقعه أو طريقة تدبيره يتجاوز التجار الموجودين داخله ليشمل جزءاً من الاقتصاد المحلي.
كما يحتفظ السوق ببعد اجتماعي وثقافي، باعتباره فضاءً للتواصل بين سكان المدينة والعالم القروي، ومناسبة أسبوعية تتجدد فيها العلاقات التجارية والاجتماعية التي ساهمت على امتداد عقود في تشكيل الذاكرة الجماعية لمنطقة أولاد احريز.
ويرى المدافعون عن استمرار السوق أن تطوير التجارة الحديثة وإحداث المراكز التجارية الكبرى لا ينبغي أن يتم على حساب الأسواق التقليدية، التي تؤدي وظائف مختلفة وتستجيب لحاجيات فئات اجتماعية واقتصادية واسعة، خاصة الأسر ذات الدخل المحدود وصغار التجار والمنتجين.
وفي المقابل، تظل مطالب تنظيم الفضاء التجاري وتحسين شروط النظافة والسلامة والأمن والانسيابية المرورية مشروعة، وهي أهداف يمكن تحقيقها من خلال برامج التأهيل وإعادة التنظيم، دون أن يعني ذلك بالضرورة إلغاء المرفق أو نقل أنشطته من جديد.
ومن المستجدات ذات الصلة أن جدول أعمال دورة أكتوبر 2026 لمجلس جماعة برشيد تضمن نقطة تتعلق بالموافقة على تمديد مدة كراء جزء من مرافق السوق الأسبوعي «اثنين برشيد»، يهم أماكن البيع وتحصيل بعض الواجبات المرتبطة بدخول السلع والبضائع. غير أن إدراج هذه النقطة لا يشكل، في حد ذاته، دليلاً على وجود قرار بإغلاق السوق أو تفويته.
وتبرز في هذا السياق الحاجة إلى توضيح رسمي من المجلس الجماعي والجهات المعنية بشأن مستقبل السوق، والكشف عن المشاريع المبرمجة لتأهيله، ووضعية صفقات إنجازه وتدبيره، مع فتح نقاش تشاركي يضم التجار والحرفيين والكسابة والفلاحين وممثلي الساكنة.
كما أن إجراء تقييم تقني ومالي مستقل لحالة المرفق قد يساهم في تحديد أسباب الاختلالات المتعلقة بتصريف مياه الأمطار والتهيئة والصيانة، ووضع برنامج عملي لمعالجتها وفق آجال محددة ومسؤوليات واضحة.
وبين الدعوات إلى حماية السوق والمطالب بتحديثه، يبدو أن السؤال الأساسي لم يعد مرتبطاً فقط بمكان وجود هذا المرفق، بل بكيفية تدبيره واستثمار إمكاناته الاقتصادية والاجتماعية، ومدى قدرة المسؤولين المحليين على ضمان استمراريته في ظروف تحفظ كرامة التجار والمرتفقين.
فالسوق الأسبوعي لبرشيد ليس مجرد مساحة للبيع والشراء، بل مرفق يرتبط بمصادر رزق أسر عديدة وبحركية الاقتصاد الفلاحي والتجاري للمنطقة، وهو ما يجعل أي قرار بشأن مستقبله بحاجة إلى دراسة دقيقة لآثاره الاقتصادية والاجتماعية، وإلى حوار واضح مع مختلف المعنيين.
وإلى حين صدور موقف رسمي يحسم حقيقة ما يُتداول بشأن احتمال إغلاق السوق أو نقله، يبقى الرهان المطروح هو الانتقال من الجدل حول مصيره إلى معالجة اختلالاته، وحماية المال العام، وتأهيل بنيته التحتية، حتى يستعيد دوره كمحرك اقتصادي واجتماعي يخدم مدينة برشيد ومحيطها القروي.