وجهة نظر

دعونا نستعيد للسياسة قيم الاستماع -عبدالله جبار

      بشعورٍ يملؤه خيبة الأمل العميقة، أتناول قضيةً أصبحت -للأسف- سمةً متكررة في مشهدنا السياسي؛ ألا وهي السلوك غير المسؤول والهدّام وغير اللائق الذي يصدر عن بعض الفاعلين أو للدقة المتتبعين للشأن الوطني . فبدلاً من أن تكون معارضتهم أو قراءتهم حارساً لحوارٍ سليم وبنّاء، اختاروا نهجاً مغايراً تماماً؛ نهجاً قائماً على التشهير، وإطلاق التلميحات المسمومة، وتوجيه الإهانات المجانية، وهي ممارسات لا تؤدي إلا إلى بث مزيد من الشك والريبة في نفوس الأجيال القادمة التي ترغب في دخول معترك السياسة .
لم يعد الأمر يتعلق بنقدٍ بنّاء، ولا بتقديم مقترحات بديلة تحترم الدور الجوهري للنقاش السياسي. فمنذ بداية الولاية التشريعية الحالية ، واجه تحالف اليسار حملةً مستمرة غير مسبوقة بدءا باولى الجلسات التي طالب فيها النواب رئاسة المجلس باحترام مسطرة الإعلان عن النتائج؛ وهي لعبة قاسية وهدّامة، حلّت فيها لغة التهجم محل لغة العقل والمقترحات البنّاءة.
إن كل ما يجري ، وفي كل مرة، يتجاوز مجرد انتقاد قرارات أو تصريحات بل تقويض رابطة الثقة التي حضي بها نواب تحالف اليسار الذي يشهد الجميع أن حملتهم كانت الأنظف على الإطلاق . وهذا لا يعني إلغاء حق النقد وإبداء الرأي المخالف بل نرى أن النقد، عندما يُقدّم بطريقة لا تُقلّل من شأن الآخر، ولا تُوحي بالازدراء أو العداء، وعندما يكون مُبرّراً بشكلٍ سليم ويُقدّم بدائل، فهو شكل بالغ الأهمية من أشكال التواصل الحازم. من منظورٍ حازم، ينبغي أن يهدف النقد الذي نوجّهه إلى تخفيف التوترات، أي أن يُساعد على تطوّر الموقف بطريقة واقعية ومُرضية للطرفين لكن البعض بريدك أن تفكر بطريقته وأن ترتمي في مسبحه وهذا يعيد على سبيل المجاز إلى الأذهان حبكة القصة القصيرة “بلاد العميان” للكاتب إتش جي ويلز.
تدور أحداث القصة حول مستكشف يضل طريقه في الجبال، فيعثر بالصدفة على قرية انقطعت صلتها بالعالم الخارجي منذ أجيال؛ حيث فقد السكان حاسة البصر بسبب مرض ما. ويخلق هذا الوضع صعوبات في التفاعل مع القادم الجديد، إذ يتحدث عن أمور يعجزون عن استيعابها —كالسماء والطيور— مما يدفعهم للاعتقاد بأنه مجنون. ونظراً لاقتناعهم بأن حالته ناجمة عن امتلاكه لمقلتي عين، فإنهم يرغبون في مساعدته، غير أن الوسيلة التي ينوون استخدامها “لعلاجه” تتمثل في اقتلاع عينيه هو الآخر.لانه إذا كان الجميع مكفوفين، فإن امتلاك البصر يخلق حالة من التنافر؛ أما إذا كان الجميع يفتقرون إلى الفطنة، فإن هذا الافتقار لا يعود عيباً، بل يصبح هو القاعدة السائدة.
في مجتمع اعتاد فيه الجميع على التفكير بنمط واحد، يُنظر إلى أي شخص يعبّر عن فكرة مغايرة على أنه يمثل مشكلة. ويمكن تفسير ذلك بالميل البشري الفطري لتبني رأي الأغلبية، والالتزام بنموذج من التماثل الذي يشبه سلوك القطيع. ورغم أن هذا التماثل كان يوماً أمراً حيوياً لتوحيد الأفراد ودفع عجلة الحضارة، إلا أنه يتيح أيضاً لمن يسيطرون على وسائل الإعلام والثروة توجيه الجماهير وفقاً لرغباتهم. لذا، كان يُنظر في الماضي إلى صاحب الفكرة المختلفة باعتباره مشكلة، لأنه يشكل عائقاً أمام تحقيق الأهداف المشتركة؛ وللأسف، لم تتغير الطبيعة البشرية؛ إذ لا تزال الجماعة تطالب الجميع بالتفكير بالطريقة ذاتها، بغض النظر عن مدى قابلية المفهوم المفروض للنقاش أو إثارته للجدل لكل من يزايد على تحالف اليسار، والجهلة المتسرعين المستغلين لهفوة نائب هنا أو هناك أو سوء فهم لسباق ما نقول إن تحالف اليسار يملك مشروعاً كبيراً، مشروعاً مجتمعياً ديمقراطياً ل اسمه دمقرطة الدولة والمجتمع. تحالف اليسار لا يعزف على سمفونية الاصطياد في الماء العكر ، بل يقترح وله تصور حيال القضية الأمازيغية، لاسيما الشق اللغوي والثقافي، ناهيك عن الشق الاقتصادي والاجتماعي ، تحالف اليسار كان من السباقين إلى طرح القضية الأمازيغية ليس على طاولة النقاش بل التفعيل . إن رد رئيسة المجموعة النيابية التحالف خلال نقاش البرنامج الحكومي كان واضحا بخصوص الأمازيغية كهوية وحضارة ومكون رئيسي للدولة المغربية عندما دعت إلى الابتعاد عن المقاربة الفوقية والرمزية بل الإدماج الفعلي في السياسات العمومية ناهيك على تركيزه على تنمية العالم القروي، والاهتمام بالمرأة القروية والبنيات التحتية، لتحقيق العدالة المجالية. وهو بذلك منسجم مع ما طرحه خلال برنامجه الانتخابي حيث أربع ملايير درهم لتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية (0.8 مليار درهم سنوياً في أفق 2031)، وما مجموعه 10 ملايير درهم تغطي قطاع الثقافة. لكن من لا يقرأ فعليه أن يتبين قبل أن ينعت التحالف بأوصاف القومية والمشرقية والعروبية وهو بذلك يقدم خدمة مجانية لأصحاب اللوبيات الخفية التي ترى في اليسار عائقا لتحقيق طموحاتها واستمرارا في فسادها .
عبدالله جبار
باحث في قضايا الهجرة

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى