وجهة نظر

من المسيرة الخضراء إلى أفق الوحدة الترابية: هل يكون للمغرب عيد وحدة ثانٍ؟ بقلم: هشام فرجي

   تختزن الأعياد في الذاكرة المغربية معاني تتجاوز طقوس الاحتفال ومواعيد العطل. فالمغاربة الذين درجوا على تسمية عيد الفطر «العيد الصغير» وعيد الأضحى «العيد الكبير»، يدركون أن للأسماء أحياناً قدرة على اختزال الذاكرة الجماعية وتحويل الأحداث إلى رموز متوارثة. وعلى هذا الأساس، يمكن النظر إلى عيد الوحدة باعتباره محطة وطنية تستدعي التأمل في مسار الوحدة الترابية للمملكة، وفي ما تحقق من مراحل هذا المسار، وفي الآفاق التي ما تزال مفتوحة أمام الأجيال القادمة.

لقد شكلت المسيرة الخضراء سنة 1975 إحدى أبرز المحطات في التاريخ المغربي الحديث؛ إذ جسدت تعبئة وطنية واسعة، واستطاعت أن تجعل من المسيرة السلمية وسيلة للتعبير عن إرادة جماعية مرتبطة بقضية الصحراء. ومنذ ذلك التاريخ، ظلت الوحدة الترابية حاضرة في الوجدان السياسي والوطني للمغاربة، باعتبارها قضية تتصل بالتاريخ والهوية والذاكرة الجماعية، كما تتصل بمكانة المغرب في محيطه الإقليمي والدولي.

وفي هذا السياق، تظل كلمات جلالة الملك محمد السادس، الواردة في خطاب ذكرى المسيرة الخضراء يوم 6 نونبر 2014، حاضرة في الذاكرة الوطنية: «والمغرب سيظل في صحرائه والصحراء في مغربها، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها». وهي عبارة تختزل تمسك الدولة المغربية بموقفها من قضية الصحراء، وتعكس مركزية الوحدة الترابية في تصورها للمستقبل.

غير أن التفكير في الوحدة الترابية يفتح، بطبيعته، مجالاً أوسع للتساؤل عن بقية الملفات المرتبطة بالحدود والسيادة. وفي مقدمة هذه الملفات تبرز قضية سبتة ومليلية والجزر والثغور الواقعة على مقربة من الساحل المغربي، بما تحمله من امتدادات تاريخية وجغرافية وسياسية. وهي قضية ظلت حاضرة في الذاكرة الوطنية وفي النقاش المغربي حول استكمال الوحدة الترابية، كما ظلت موضوع اختلاف واضح في المواقف بين الرباط ومدريد.

إن إثارة هذا الملف اليوم تقتضي خطاباً هادئاً ومسؤولاً، يستحضر التاريخ والجغرافيا، ويستند إلى البحث القانوني الرصين، ويدرك في الوقت نفسه تعقيدات العلاقات الدولية وموازين المصالح. فالقضايا الترابية ذات الامتداد التاريخي تحتاج إلى نفس استراتيجي طويل، وإلى عمل دبلوماسي متواصل، وإلى بناء مناخ سياسي يسمح بمناقشة الملفات العالقة في إطار الاحترام المتبادل وحسن الجوار.

ومن هنا، يمكن أن نستشرف، في قراءة رمزية خاصة، ما أسميه «عيد الوحدة الأول»، على أمل أن يأتي يوم يصبح فيه الاحتفال بعيد الوحدة الثاني تعبيراً عن مرحلة جديدة من معالجة ملف سبتة ومليلية والجزر، وعن تقدم ملموس في مسار استكمال الوحدة الترابية للمملكة. إنها تسمية اجتهادية تحمل معنى الاستمرارية، وتضع الحاضر في سياق مشروع وطني مفتوح على المستقبل.

وإذا كانت المسيرة الخضراء قد ارتبطت بلونها ودلالتها التاريخية، فإن من الممكن أن نستعير من ألوان العلم المغربي تسمية رمزية أخرى هي «المسيرة الحمراء». والمقصود هنا أفق وطني سلمي، يستلهم اللون الأحمر للراية المغربية، ويجعل من الإرادة السياسية والحوار والدبلوماسية والقانون الدولي أدواته الأساسية. إنها صورة مجازية لمسار طويل من العمل الوطني، قوامه الحكمة والتراكم والتفاوض، وهدفه الوصول إلى حلول تحفظ المصالح وتفتح آفاقاً أرحب للاستقرار والتعاون.

وتزداد أهمية هذا التصور حين نضعه في سياق العلاقات المغربية الإسبانية. فالمغرب وإسبانيا تجمعهما روابط الجغرافيا والتاريخ والمصالح الاقتصادية والإنسانية والأمنية، كما يربطهما موقع استراتيجي يجعل من التعاون بينهما ضرورة تتجاوز الحسابات الظرفية. ومن شأن حوار صريح ومتوازن حول الملفات العالقة أن يعزز الثقة بين البلدين، وأن يفتح المجال أمام تصور مستقبلي للعلاقات يقوم على المصالح المشتركة واحترام المواقف المتبادلة.

ولعل الرهان الحقيقي يكمن في تحويل الذاكرة التاريخية إلى قوة اقتراح، وتحويل المطالب الوطنية إلى مشاريع سياسية ودبلوماسية قابلة للنقاش والترافع. فالأوطان تبني مستقبلها أيضاً بقدرتها على طرح الأسئلة المؤجلة، وإنتاج تصورات بعيدة المدى، وتكوين رأي عام واعٍ بتاريخ بلاده وبالتحديات المحيطة بها.

من «العيد الصغير» إلى «العيد الكبير»، ومن عيد الوحدة إلى أفق عيد وحدة ثانٍ، ومن المسيرة الخضراء إلى ما يمكن أن نسميه مجازاً «المسيرة الحمراء»؛ تتواصل صورة المغرب الذي يعتز بتاريخه، ويتمسك بوحدته الترابية، ويتطلع إلى مستقبل تسوده علاقات حسن الجوار والتعاون والازدهار.

إنها دعوة إلى التفكير في الوحدة باعتبارها ورشاً وطنياً متجدداً، وإلى جعل الحكمة والدبلوماسية والعمل السياسي الرصين جسراً نحو المستقبل؛ مغرب واثق من ذاكرته، متطلع إلى استكمال وحدته، ومنفتح على محيطه، من طنجة إلى الكويرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى