إن خطورة الرهانات المرتبطة بالصحراء المغربية تفرض يقظة توازي حجم المسؤولية، وتجعل الاسترسال في نشوة الانتصار مجازفة قد تكون باهظة الكلفة. فالمكاسب لا تحصّن نفسها، والفرص لا تتحول تلقائيًا إلى واقع مستقر. وكل تقدم يفتح أسئلة جديدة تتعلق بالقدرة على تثبيته، واستيعاب تبعاته، وترجمته إلى مؤسسات وضمانات وثقة ومشاركة. ومن هنا تنبع دعوتنا إلى أجندة وطنية مستعجلة: الخشية من أن يتقدم خطاب الاطمئنان على شروط الاستعداد، وأن نتأخر في إنجاز ما تتطلبه المرحلة بينما نعتقد أن الزمن يعمل لصالحنا وحده.
يحق للمغاربة الاعتزاز بكل ما يعزز قضيتهم الوطنية. غير أن الاعتزاز يصبح عرضة للانحراف حين نستنتج من مكسب محدد حسمًا شاملًا، أو نقرأ تقارب المصالح باعتباره تطابقًا دائمًا، أو نعامل تراجع خيار منافس بوصفه نهاية لقدرته على التأثير والتعطيل. عندئذ تنتقل الثقة من قوة تدفع إلى العمل إلى يقين يعفي من المراجعة، ويتحول النجاح السابق إلى حجة جاهزة لتزكية الاختيارات اللاحقة.
وهذا هو موطن الخطر: أن يستقر في الوعي أن قوة الموقف تُغني عن تجديد أدواته، وأن مشروعية القضية تضمن وحدها جودة تدبيرها. فالقضايا العادلة تحتاج إلى كفاءة في التقدير، وقدرة على الإنجاز، وشجاعة في التصحيح. وقد يُبدَّد بعض ما راكمته الدبلوماسية إذا تأخر الداخل في بناء الشروط الحقوقية والمؤسساتية والاجتماعية التي تمنحه الاستمرار.
تتيح الاستعانة بمفاهيم كارل غوستاف يونغ إضاءة جانب من هذه المخاطر، بوصفها أدوات تأويل لفهم الخطاب وتمثلات الذات، دون تشخيص الأشخاص أو اختزال السياسة في علم النفس. ومن أبرزها مفهوم «تضخم الأنا»، الذي يساعد على قراءة التماهي المفرط مع صورة القوة. فعندما تستحوذ صورة المنتصر على وعينا، قد تضعف قدرتنا على إدراك الحدود، ويصبح الاعتراف بالنقص أو الحاجة إلى التعلم مصدر حرج.
في هذه الحالة، تتغير علاقتنا بالمعلومة. نحتفي بما يؤكد توقعاتنا، ونتوجس مما يدعونا إلى تعديلها. وقد نبالغ في تقدير ثبات الشركاء، ونقلل من قدرة المنافسين على التكيف، ونؤجل الاستعداد للسيناريوهات المقلقة لأنها لا تنسجم مع المزاج السائد. وهكذا يصبح الخطر مضاعفًا: خطر قائم في الواقع، وخطر ناتج عن ضعف استعدادنا لرؤيته.
ويقربنا مفهوم «القناع» عند يونغ من الفجوة التي قد تتسع بين الصورة المعروضة والقدرة الفعلية. تحتاج الدول والمؤسسات إلى تقديم صورة تعبر عن الثقة والتماسك، لكن التماهي الكامل معها قد يجعل المحافظة على المظهر أولوية تتقدم على معالجة الاختلال. وحين يُطلب من الواقع أن يوافق خطاب النجاح، تضيق مساحة الاعتراف بما يحتاج إلى إصلاح، ويصبح التنبيه إلى الهشاشة كأنه إفساد للاحتفاء.
أما «الظل»، فيتيح مساءلة ما تستبعده الصورة المطمئنة عن مجال الرؤية. وفي موضوعنا، يتعلق الأمر بالأسئلة التي قد تتراجع خلف المشهد الدبلوماسي: ما شروط بناء الثقة؟ وما الضمانات المطلوبة للعودة الطوعية الآمنة والإدماج؟ وكيف تُعالج المظالم وآثار النزاع؟ وأي استعداد لدى المؤسسات للاستقبال والإنصاف والوساطة؟ وما موقع السكان والفاعلين السياسيين والمدنيين في صناعة المستقبل؟
هذه الأسئلة تظل فاعلة حتى حين يغيب حضورها عن الخطاب. فالمظلمة المؤجلة تحتفظ بأثرها، والخوف الذي لا يجد فضاء للتعبير قد يتعمق، والذاكرة التي لا تجد اعترافًا قد تصبح مصدرًا لتجدد انعدام الثقة. لذلك فإن استحضار مواطن الهشاشة يدخل في صميم تحصين القضية الوطنية؛ إذ يتيح معالجتها قبل أن تتحول إلى موارد للاحتقان أو التعطيل.
ويتصل بذلك مفهوم «الإسقاط»: فقد نحمل الخارج كل أسباب التعثر، أو نقرأ نيات الآخرين وفق حاجتنا إلى الاطمئنان. ووجود خصومة فعلية يقتضي الانتباه إلى استراتيجيات الخصوم، كما يقتضي فحص مسؤوليتنا عن جودة الاستعداد والإنجاز. أما الخلط بين النقد الداخلي والتهديد الخارجي، فيحرم القرار من مورد أساسي للتصحيح، وقد يدفع أصحاب الخبرة إلى الصمت حين تصبح كلفة التنبيه مرتفعة.
وفي هذا السياق، يفيدنا ما أثاره د. ياسر عبد الحسين في مقاله «الدبلوماسية كخدعة: نصائح مكيافيلي إلى سفير شاب» بشأن «الفجوة بين التصوّر والواقع في الديبلوماسية». فالموقف المعلن يحتاج إلى قراءة في ضوء المصالح والالتزامات والأفعال ؛ وقد تدفعنا الرغبة في الحسم إلى منح إشارات التأييد معنى أوسع مما تحتمله، أو إلى ملء مساحات الغموض بما نتمناه. وتبدأ اليقظة هنا من التمييز بين إعلان النية، وحدود الالتزام، والقدرة على التنفيذ، والتنفيذ الفعلي.
ويضيف مفهوم «غرور السلطة»، الذي اقترحه ديفيد أوين وجوناثان ديفيدسون، مدخلًا لفهم الصلة بين النفوذ الواسع والإفراط في الثقة وضعف الإصغاء للنصيحة. وهو نموذج بحثي محل نقاش، نستأنس به في مساءلة السلوك وشروط إنتاجه. وتكمن فائدته لمقاربتنا في نقل الانتباه إلى البيئة التي قد تسمح للغرور بالتوسع: نجاح متكرر، وقيود ضعيفة، ودائرة استشارة متجانسة، ومراجعة محدودة للكلفة والنتائج.
فالغرور قد يجد ما يعززه داخل تنظيم القرار نفسه؛ حين تُكافأ المسايرة، ويُهمَّش الرأي المخالف، وتُنتقى التقارير بحسب قدرتها على طمأنة المسؤول، تنشأ دائرة مغلقة تعيد إنتاج اليقين. ويغدو النجاح دليلًا على صواب التقدير، بينما يُفسَّر التعثر دائمًا بعوامل خارجية. وفي الحالتين، تتراجع فرصة التعلم.
ومن هنا تتجاوز المشكلة صفات الأفراد إلى مسؤولية المؤسسات؛ فالقرار يحتاج إلى قنوات توصل إليه المعطيات المزعجة، وأيضا خبرات مستقلة تختبر افتراضاته، وتقييم يقيس أثره، ومساءلة تمنع الخلط بين هيبة المسؤول وصواب الاختيار. وتصبح الثقة أكثر متانة حين تستند إلى هذه الضمانات، بدل أن تتوقف على يقين الأشخاص بأنهم يحسنون التقدير.
وهنا أيضًا تتضح دلالة منطقة الراحة ؛ فقد تتواصل الحركة وتكثر المبادرات، بينما تبقى أدوات التفكير والتدبير على حالها ، حيث نكرر الحجج التي نجحت سابقًا، ونستعيد صور التأييد، ونؤجل الأسئلة الجديدة ؛ وهذه مراوحة استراتيجية قد تستتر خلف نشاط كثيف، لأن معيار التقدم يصبح حجم الحضور في الخطاب، بدل القدرة على معالجة ما استجد من مسؤوليات.
ولا تنحصر كلفة ذلك في ضياع الوقت. فقد يؤدي تأخر الاستعداد إلى الاضطرار للعودة إلى مرحلة التأسيس: إعادة بناء ثقة تآكلت أو استُهلكت، وترميم روابط أُهملت، وتجديد ضمانات لم تجد طريقها إلى الممارسة. وتكون المهمة أشد صعوبة حين ترتفع التوقعات ثم تتأخر الاستجابة، وتتراكم ذاكرة الوعود ؛ إن أخطر ما في الاطمئنان المفرط أنه قد يؤجل إدراك الخلل إلى اللحظة التي تصبح فيها معالجته أكثر كلفة.
لهذا نصر على الأجندة الوطنية المستعجلة، بوصفها ترجمة عملية لواجب اليقظة والتحصين ، لأن الدعوة إلى تنصيب المجلس الأعلى للأمن وتفعيل وظائفه الدستورية تستجيب للحاجة إلى مأسسة التشاور الاستراتيجي وتقدير المخاطر وتنسيق مختلف الاستجابات ؛ إن حساسية القضية تقتضي أن تجد السيناريوهات المختلفة مجالًا للفحص، وأن ترتبط حماية الوحدة الترابية بحكامة أمنية تصون الحقوق والحريات وتستبق الأزمات.
وتأهيل المؤسسات الوطنية والعمومية ذات الصلة بحقوق الإنسان والعدالة والأمن شرط لبناء الثقة في الضمانات. فكل أفق للتسوية سيُختبر في قدرة المؤسسات على الإصغاء والوساطة والإنصاف، وفي وضوح اختصاصاتها وجودة مواردها البشرية واستعدادها للمساءلة. وتزداد قوة الالتزام حين يستطيع المعنيون اختبار أثره في حياتهم.
كما أن تمكين الهيئات السياسية والمدنية من تجسير العلاقات داخل الإقليم وفي المخيمات والشتات يوسع قنوات الحوار ولمّ الشمل ؛ لأن العلاقات المتأثرة بالنزاع تحتاج إلى مبادرات تحترم استقلالية الفاعلين وتعدد الآراء، وتتيح التعبير عن المخاوف دون اشتراط التطابق المسبق في المواقف. وبناء الثقة يتطلب وقتًا وإصغاء ومصداقية، ويصعب اختزاله في رسائل التواصل ذات الصبغة الرسمية ؛ كما يرتبط صون السلم الاجتماعي والسلام والأمن بمعالجة أسباب الاحتقان والهشاشة، وتقوية الوساطة وضمان الكرامة ؛ فاستقرار تدعمه العدالة والمشاركة يملك قدرة أكبر على الصمود، ويحد من قابلية المظالم للاستثمار في تجديد التوتر ؛ أما جبر الضرر الفردي والترابي، وصون الذاكرة، وتثمين الذكاء الترابي، وتقوية القدرات، فتمنح التسوية مضمونها الإنساني والمجالي ؛ لأن العودة والإدماج يحتاجان إلى إعداد مادي ومعنوي، وإلى الاعتراف بتجارب الأشخاص والأسر، وإشراك السكان في تحديد حاجاتهم وأولوياتهم.
وتحمل المجالات المتأثرة بالنزاع معارف وخبرات وموارد بشرية ينبغي أن تكون شريكة في بناء مستقبلها.
وتكتمل هذه الأوراش بدمقرطة العلاقات التعاقدية بين المركز والمحيط، من خلال مشاركة فعلية، واختصاصات واضحة، وموارد ملائمة، ومساءلة عن النتائج. فالثقة تتجدد حين يشعر السكان بأن لهم أثرًا في القرار، وأن مؤسساتهم تستطيع التعبير عن انتظاراتهم والاستجابة لها.
إن هذه الأوراش مترابطة؛ فضعف الإنصاف يضر بالثقة، وضعف المشاركة يحد من الإدماج، وغموض المسؤوليات يربك التنفيذ، وتأخر الاستعداد يوسع المسافة بين الوعد والواقع. لذلك تقتضي المقاربة النسقية النظر إلى أثر كل اختيار في بقية مكونات المسار، وتحديد المسؤوليات والآجال ومؤشرات التقييم.
ومن واجب المسؤولية الوطنية أن نرفع صوت التحذير قبل أن تفرض الوقائع كلمتها ؛ لأن التنبيه المبكر يمنح فرصة للعمل، كما أن الصمت عن الهشاشة قد يتركها تتسع تحت غطاء الاطمئنان. وكلما كبرت قيمة المكسب، عظمت مسؤولية حمايته بالنقد والاستعداد والإصلاح.
إن الغرور في تدبير قضية بهذه الحساسية قد يحجب الخطر حتى يستفحل. والمكاسب التي لا تتحول إلى مؤسسات مؤهلة، وثقة مجتمعية، وضمانات حقوقية، وقدرة على العودة والإدماج، تظل معرضة للهدر. لذلك نلح على الأجندة الوطنية المستعجلة ؛ لأن كلفة التأخر قد يتحملها الوطن بأكمله.
مصطفى المنوزي
رئيس المركز المغربي للديمقراطية والأمن
منسق فضاء الصحراء للرصد والحوار