وجهة نظر
معالجة ملف المدمجين تقتضي مقاربة شمولية تربط بين الإنصاف الإداري والحقوق المالية والاستقرار الاجتماعي

في البداية لابد من التأكيد إلى أن إنصاف المدمجين بصفة استثنائية بوزارة التربية في إطار هيئة الإنصاف والمصالحة، لا ينبغي أن يتوقف عند الاعتراف بحقهم في الإدماج، بل يجب أن يمتد إلى معالجة آثار التأخر في الإدماج على مساراتهم المهنية وأوضاعهم المالية والاجتماعية، لأن تسوية الملف إدارياً لا تعني بالضرورة جبر جميع الأضرار التي خلفها الانتظار.
نحو مقاربة شمولية للإنصاف: من تسوية الوضعية الإدارية إلى جبر الآثار المهنية والمالية والاجتماعي
إن معالجة ملف المدمجين بموجب توصية هيئة الإنصاف والمصالحة تقتضي تجاوز المقاربة الإدارية الضيقة، التي تختزل التسوية في إصدار قرارات الإدماج، نحو مقاربة شمولية تستحضر مختلف الأبعاد التي تأثرت بفعل سنوات الانتظار والتأخر.
فالتسوية الحقيقية لا تكتمل إلا بمعالجة الاختلالات التي قد تكون مست المسار المهني، من أقدمية وترقية وتغيير إطار، إلى جانب دراسة الآثار المالية المترتبة عن التأخر، بما فيها المستحقات المحتملة والانعكاسات على الحقوق التقاعدية.
ولا يقل البعد الاجتماعي أهمية عن البعدين الإداري والمالي، إذ ينبغي استحضار ما تحملته الأسر من أعباء معيشية والتزامات مالية خلال سنوات الانتظار، وما يواجهه المتقاعدون من تحديات مرتبطة باستمرار الالتزامات الأسرية بعد انتهاء الحياة المهنية، فضلاً عن الأوضاع التي تعيشها أسر المتوفين في انتظار تسوية الحقوق المستحقة لذويها.
ومن هذا المنطلق، فإن المطلوب هو اعتماد معالجة منسقة بين مختلف المؤسسات المعنية، تستند إلى تشخيص دقيق لكل حالة، وتحدد طبيعة الاختلالات القائمة، والإجراءات القانونية الممكنة لتسويتها، مع وضع جدول زمني واضح للتنفيذ وإعطاء الأولوية للحالات التي تواجه آجالاً قريبة للإحالة على التقاعد.
إن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في طي الملف إدارياً، بل في ضمان ألا تستمر آثار سنوات الانتظار في ملاحقة المستفيدين حتى بعد الإدماج أو الإحالة على التقاعد. فجوهر الإنصاف هو أن تمتد التسوية إلى مختلف الحقوق والمصالح المتأثرة، وأن يكون لها أثر ملموس في الاستقرار المهني والمالي والاجتماعي للمعنيين وأسرهم.
خمس سنوات من الانتظار قبل الإدماج: كيف انعكس التأخر على المسار المهني للمستفيدين؟
لا يمكن قراءة المذكرة المطلبية للمدمجين بموجب توصية هيئة الإنصاف والمصالحة بمعزل عن السياق الزمني الذي سبق عملية إدماجهم؛ فقد شكلت السنوات الخمس الفاصلة بين صدور التوصية وتحقيق الإدماج مرحلة مفصلية في حياتهم المهنية والإدارية، لم تكن مجرد فترة انتظار لإجراء تسوية إدارية، بل زمناً مهنياً ضائعاً يستدعي الوقوف عند تداعياته وانعكاساته.
فخلال هذه السنوات، ظل المستفيدون ينتظرون تسوية وضعيتهم المهنية، في وقت كان فيه زملاؤهم يواصلون مساراتهم الإدارية بصورة عادية، مستفيدين من تراكم الأقدمية والفرص المتاحة للترقي وتحسين الوضعية المالية. وهو ما يطرح تساؤلات مشروعة حول مدى انعكاس التأخر في الإدماج على مبدأ تكافؤ الفرص، وعلى الحقوق المهنية والإدارية والمالية التي كان من الممكن أن يستفيد منها المعنيون لو تمت التسوية في وقتها المناسب.
ومن ثم، فإن جوهر الإشكال لا يتعلق فقط بتاريخ الإدماج الفعلي، وإنما يمتد إلى كيفية معالجة الآثار المترتبة عن الفترة السابقة عليه: هل تم إنصاف المستفيدين من خلال تسوية شاملة تستحضر الزمن المهني الذي ضاع منهم؟ أم أن الإدماج، رغم أهميته، ظل إجراءً إدارياً لم يستطع وحده جبر جميع الاختلالات التي خلفها التأخر؟
الترقية وتغيير الإطار: مطالب مهنية لا تزال تنتظر المعالجة
لا تنحصر مطالب المدمجين بموجب توصية هيئة الإنصاف والمصالحة في تسوية وضعيتهم الإدارية، بل تمتد لتشمل قضايا مهنية ترتبط بمسارهم الوظيفي وآفاق تطورهم المهني، وفي مقدمتها الترقية وتغيير الإطار.
فإذا كان الإدماج قد شكل محطة مهمة في مسار تسوية الوضعية الإدارية للمستفيدين، فإن ذلك لا يعني بالضرورة أن جميع الإشكالات المهنية المرتبطة بمسارهم قد وجدت طريقها إلى الحل. إذ تظل مسألة الترقية، بمختلف آلياتها، وتغيير الإطار من بين المطالب التي تستدعي معالجة دقيقة تستحضر خصوصية هذه الفئة والسياق الاستثنائي الذي أفرز وضعيتها.
وتكتسي الترقية أهمية خاصة بالنظر إلى ارتباطها بالأقدمية المهنية والاعتراف بالتجربة والكفاءة، فضلاً عن انعكاساتها على الوضعية الإدارية والمالية للموظف. ومن ثم، فإن أي معالجة لهذا المطلب ينبغي أن تستحضر السنوات التي قضاها المعنيون في انتظار الإدماج، ومدى احتسابها في بناء مساراتهم المهنية، تفادياً لاستمرار آثار التأخر بعد تسوية الوضعية الإدارية.
أما مطلب تغيير الإطار، فيطرح بدوره إشكالية الاعتراف بالمسار المهني والمؤهلات والتجارب التي راكمها المستفيدون، ومدى ملاءمة الإطار الحالي مع طبيعة المهام التي يزاولونها ومؤهلاتهم العلمية والمهنية، وفق الضوابط القانونية والتنظيمية المعمول بها.
وتكشف هذه المطالب عن أن الرهان لم يعد مقتصراً على الإدماج في حد ذاته، بل أصبح مرتبطاً باستكمال مسار الإنصاف، من خلال تمكين المعنيين من فرص التطور المهني على قدم المساواة، ومعالجة الاختلالات التي قد تكون نتجت عن خصوصية مسارهم الإداري.
وعليه، فإن المطلوب هو فتح معالجة مؤسساتية واضحة لمطلبَي الترقية وتغيير الإطار، وتحديد السند القانوني والإجراءات الممكنة لتنزيلهما، بما يضمن عدم تحول الإدماج إلى نهاية لمسار التسوية، بدل أن يكون مدخلاً حقيقياً لاستعادة الحقوق المهنية ومواصلة المسار الوظيفي في ظروف منصفة.
ما وراء الملف الإداري: القروض والتكاليف الأسرية وتحديات العيش بعد التقاعد
لا يمكن اختزال ملف المدمجين بموجب توصية هيئة الإنصاف والمصالحة في أرقام إدارية أو مطالب مرتبطة بتسوية الوضعيات المهنية والمالية، ذلك أن وراء هذه الوضعيات أشخاصاً وأسرًا تحملت، على امتداد سنوات، أعباء اجتماعية واقتصادية لا تظهر دائماً في الوثائق والمراسلات الرسمية.
فالتأخر في تسوية الوضعية المهنية، وما قد يكون ترتب عنه من اختلالات مالية، لم يكن مجرد إشكال إداري معزول، بل امتدت تداعياته إلى الحياة اليومية للمستفيدين، خاصة في ظل الالتزامات الأسرية المتزايدة، وتكاليف السكن والتعليم والصحة ومتطلبات إعالة الأبناء.
وتبرز القروض والالتزامات البنكية ضمن أبرز الجوانب التي تستحق الوقوف عندها في قراءة المذكرة المطلبية، باعتبارها التزامات مالية شهرية لا تتوقف بمجرد وجود إشكال في الوضعية الإدارية أو تأخر في تسوية المستحقات. فالأقساط المرتبطة بالسكن أو غيره من الالتزامات قد تتحول إلى عبء إضافي عندما لا تتناسب المداخيل مع حجم النفقات والاحتياجات الأسرية.
وتزداد هذه الإشكالية تعقيداً عند الانتقال إلى مرحلة التقاعد، حيث يجد بعض المعنيين أنفسهم أمام واقع اجتماعي جديد، تتقلص فيه المداخيل بفعل الانتقال من الأجرة إلى المعاش، بينما تستمر الالتزامات الأسرية والمالية، بل قد تزداد في بعض الحالات بسبب التكاليف الصحية ومتطلبات العيش.
ومن هنا تبرز أهمية النظر إلى الوضعيات التقاعدية للمدمجين باعتبارها امتداداً للملف الأصلي، وليس موضوعاً منفصلاً عنه. فالتسوية المنشودة لا ينبغي أن تقتصر على معالجة الجوانب الإدارية، بل يتعين أن تستحضر، في حدود ما يثبته القانون والوثائق الفردية، الآثار المالية والاجتماعية التي خلفتها سنوات الانتظار والتأخر.
كما تكتسي أوضاع أسر المتوفين أهمية خاصة، بالنظر إلى ما قد تواجهه من صعوبات مرتبطة باستكمال الإجراءات الإدارية وتسوية الحقوق المالية والتقاعدية المستحقة لذوي الحقوق.
إن هذا البعد الاجتماعي يطرح سؤالاً جوهرياً : كيف يمكن تقييم نجاح تسوية الملف دون استحضار انعكاساتها الفعلية على القدرة المعيشية للمستفيدين وأسرهم؟
فوراء كل ملف إداري التزامات أسرية، ووراء كل وضعية تقاعدية حياة اجتماعية ينبغي أن تحظى بالاهتمام. ولذلك، فإن معالجة ملف المدمجين تقتضي مقاربة شمولية تربط بين الإنصاف الإداري والحقوق المالية والاستقرار الاجتماعي، حتى لا تظل آثار سنوات الانتظار ملازمة لأصحابها حتى بعد نهاية مسارهم المهني.
مسعود العربي



