ليست كل ملفات جبر الضرر مجرد أرقام في جداول إدارية، ولا تختزل آثارها في قرارات تعويضية أو إجراءات إدماج مهني، فبعض هذه الملفات يمتد أثره إلى الحياة اليومية للأسر، وإلى ظروف عيش المتقاعدين، بل وإلى أوضاع ذوي الحقوق بعد وفاة الأشخاص المعنيين. وهذا ما يثيره اليوم ملف الأساتذة والمتصرفين الذين أُدمجوا بصفة استثنائية منذ سنة 2011 بوزارة التربية الوطنية في إطار توصية هيئة الإنصاف والمصالحة.
لقد شكلت تجربة هيئة الإنصاف والمصالحة محطة مهمة في مسار معالجة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في الماضي ، ولم يكن الهدف من جبر الضرر مجرد الاعتراف بما وقع، بل المساهمة في معالجة آثاره، بما في ذلك الأضرار الاجتماعية والمهنية التي خلفتها تلك الانتهاكات.
غير أن مرور السنوات يكشف أن بعض الملفات لا تزال تنتظر استكمال تسويتها، وأن آثارها الاجتماعية ما زالت حاضرة في حياة المعنيين بها.
سنوات قليلة في الوظيفة العمومية… ومعاناة تمتد إلى ما بعد التقاعد
من بين أبرز الإشكالات التي يطرحها ملف المدمجين بصفة استثنائية بوزارة التربية الوطنية، الوضعية الاجتماعية والمالية التي وجد فيها عدد من المستفيدين أنفسهم بعد إحالتهم على التقاعد، وكذلك الوضعية التي تواجهها أسر بعضهم بعد وفاتهم.
فوفق المعطيات التي تتوفر عليها هيئة المتابعة، فإن مدة العمل المحتسبة في الوظيفة العمومية لدى 22 من المدمجين تتراوح بين سنة واحدة و14 سنة، وهي مدة قد تنعكس بصورة مباشرة على الحقوق التقاعدية والمداخيل المتاحة بعد انتهاء المسار المهني.
ولا تقف تداعيات هذه الوضعية عند الأشخاص المعنيين وحدهم؛ إذ تجد بعض الأسر نفسها أمام موارد مالية محدودة، في وقت تتواصل فيه متطلبات الحياة اليومية وتزداد فيه الحاجة إلى الاستقرار الاجتماعي.
أما بالنسبة إلى ذوي الحقوق من أسر المتوفين، فإن آثار هذه الوضعية تكتسي بعداً إنسانياً أكثر إلحاحاً، بالنظر إلى ما قد يترتب عن محدودية الحقوق التقاعدية من صعوبات في تدبير شؤون الأسرة ومواجهة أعبائها.
وهكذا، يصبح السؤال المطروح أكبر من مجرد احتساب سنوات العمل : كيف يمكن استكمال معالجة الآثار المهنية والاجتماعية لملف أُدرج أصلاً ضمن مسار جبر الضرر، مع ضمان عدم ترك المتقاعدين والأسر المعنية يواجهون وحدهم تبعات وضعية لم تكن ظروف نشأتها عادية؟.
من الإدماج المهني إلى استكمال جبر الضرر
إن الإدماج في الوظيفة العمومية، على أهميته، لا يعني بالضرورة أن جميع الآثار المهنية والاجتماعية قد عولجت بصورة كاملة ، فالمعالجة الشاملة لهذا الملف تقتضي النظر في الانعكاسات المالية والإدارية للمسار الذي سلكه المدمجون، ولا سيما ما يتصل بتاريخ احتساب الأقدمية، والحقوق التقاعدية، والترقية الاستثنائية، والتدابير التي يمكن أن تسهم في تحسين وضعية المتقاعدين وصون حقوق ذوي الحقوق.
وفي هذا السياق، تؤكد مجموعة المعطيات أن مطالب هذه الفئة ، لا تنحصر في تحسين الوضعية المهنية لفئة من الموظفين، بل تتعلق باستكمال التسوية الإدارية والمالية لملف ذي خلفية مرتبطة بجبر الضرر، مع مراعاة الأوضاع الخاصة للمتقاعدين وأسر المتوفين.
وقد ظلت هيئة تمثل هذه الفئة وتتابع هذا الملف من خلال المراسلات واللقاءات مع الجهات المعنية، وتدعو إلى تنسيق الجهود بين وزارة التربية الوطنية والصندوق المغربي للتقاعد وباقي المؤسسات المختصة، من أجل الوصول إلى معالجة عملية ومنصفة.
كما يكتسي البحث عن حلول إدارية ومالية قابلة للتنفيذ أهمية خاصة، حتى لا تبقى المطالب معلقة بين تعدد المتدخلين واختلاف الاختصاصات، بينما تستمر الأوضاع الاجتماعية للمعنيين في انتظار التسوية.
المتقاعدون وذوو الحقوق: البعد الإنساني الذي لا ينبغي إغفاله
إن الحديث عن هذا الملف يستدعي استحضار أن التقاعد يفترض أن يشكل مرحلة للاستقرار النسبي بعد سنوات من العمل، لا أن يتحول إلى مصدر إضافي للقلق الاجتماعي بسبب محدودية الحقوق المكتسبة.
وبالنسبة إلى أسر المتوفين، فإن الأمر يتطلب حساسية أكبر في التعامل، لأن أي تأخير في معالجة الوضعية قد يفاقم الصعوبات التي تواجهها هذه الأسر، التي لا يمكنها استعادة معيلها، لكنها تظل معنية بما يتيحه القانون من حقوق وما يمكن أن تقرره الجهات المختصة من تدابير لتسوية الملفات العالقة.
ومن هنا، فإن إنصاف هذه الفئة لا ينبغي أن يُختزل في التعاطف معها، بل يستدعي دراسة أوضاعها بصورة دقيقة، وتحديد حقوقها وفق النصوص والقرارات ذات الصلة، والبحث عن الحلول الممكنة في إطار المسؤوليات القانونية والمؤسساتية لكل جهة.
فالقضية، في جوهرها، تطرح سؤالاً اجتماعياً وأخلاقياً حول كيفية استكمال جبر الضرر عندما تستمر آثاره في التأثير على حياة الأشخاص وأسرهم، حتى بعد انتهاء مسارهم المهني أو وفاتهم.
نموذج من المعاناة الإنسانية والاجتماعية للمدمجين المتقاعدين: حالة الأستاذ لحسن السباعي
لعل حالة الأستاذ لحسن السباعي تختزل، بشكل مؤلم، حجم المعاناة التي يعيشها عدد من المدمجين الذين وجدوا أنفسهم أمام واقع اجتماعي ومادي قاسٍ بعد إحالتهم على التقاعد، رغم ما بذلوه من جهد وتضحيات في مسارهم المهني.
فقد تم إدماج المعني بالأمر، بصفة استثنائية، بتاريخ 23 مارس 2011، وهو في سن الخمسين، بصفة أستاذ بالتعليم الثانوي التأهيلي. وبعد مسار مهني لم يتجاوز ثلاثة عشر عاماً، وجد نفسه محالاً على التقاعد منذ غشت 2024، بمعاش شهري لا يتجاوز حوالي 2589 درهماً، إضافة إلى تعويض تكميلي قدره 1600 درهم.
غير أن هذه الأرقام، على محدوديتها، لا تعكس وحدها حقيقة الوضع الذي يعيشه هذا المتقاعد؛ إذ إنه لا يزال ملزماً بأداء أقساط قرض بنكي شهري بقيمة 2230 درهماً، كان قد اضطر إلى اللجوء إليه منذ سنة 2011، بعد أشهر قليلة من تعيينه في الوظيفة العمومية، لتأمين احتياجاته والتزاماته الأسرية والاجتماعية.
وهكذا، يجد الأستاذ لحسن السباعي نفسه اليوم أمام معادلة اجتماعية ومالية شديدة القسوة: فبعد اقتطاع القسط البنكي من مجموع مداخيله الشهرية، لا يتبقى له سوى مبلغ يقارب 1959 درهماً، أو حوالي 1550 درهماً إذا كانت هناك اقتطاعات أخرى، لتدبير شؤون حياته اليومية ومواجهة متطلبات أسرته.
والمؤلم في هذه الحالة أن الأمر لا يتعلق بمتقاعد يعيش بمفرده أو لا يتحمل مسؤوليات أسرية، بل بأب لا يزال ابنه يتابع دراسته بالسلك الثانوي، وابنته تتابع دراستها الجامعية، بما يفرضه ذلك من مصاريف يومية ومتطلبات تعليمية واجتماعية لا يمكن الاستغناء عنها.
فكيف يستطيع هذا الأب أن يوفر لأبنائه الحد الأدنى من متطلبات الدراسة والعيش الكريم؟ وكيف يمكنه أن يتحمل مصاريف التغذية والسكن والعلاج والتنقل والفواتير، وأن يفي بالتزاماته الأسرية، في ظل دخل شهري لا يكاد يكفي لتغطية أبسط ضروريات الحياة؟.
إنها معاناة تتجاوز حدود العجز المالي لتلامس كرامة الإنسان واستقراره النفسي والأسري، فالأب الذي كان يفترض أن يجد في التقاعد فرصة للراحة والاطمئنان بعد سنوات من المعاناة، يجد نفسه اليوم أسير القلق اليومي، ممزقاً بين محدودية موارده المالية ومسؤوليته تجاه أبنائه، وبين رغبته في الاستجابة لحاجيات أسرته وعجزه عن توفيرها، كما يجد نفسه في وضع قد يضطره إلى التخلي عن بعض احتياجاته الأساسية، أو الاستمرار في الاستدانة، أو تحميل أسرته تبعات وضع لم تكن هي المسؤولة عن أسبابه.
وإذا كانت هذه الحالة تبدو في ظاهرها حالة فردية، فإنها في واقع الأمر تعكس جانباً من المأساة الاجتماعية التي يعيشها عدد من المدمجين الذين التحقوا بالوظيفة العمومية في سن متقدمة، ولم تتح لهم سنوات الخدمة المحدودة بناء معاش يضمن لهم ولأسرهم الحد الأدنى من الاستقرار المادي والاجتماعي بعد التقاعد.
فأي معنى للتقاعد إذا تحول من مرحلة يفترض أن تصون كرامة الإنسان وتضمن له الطمأنينة إلى مرحلة تتفاقم فيها معاناته وتتقلص فيها قدرته على إعالة أسرته؟ وأي إنصاف يمكن الحديث عنه حين يجد موظف أفنى ما تبقى من سنوات عمره في خدمة المرفق العمومي نفسه عاجزاً عن توفير الحاجيات الأساسية لأبنائه ومواجهة التزاماته المعيشية؟.
إن قضية لحسن السباعي ليست مجرد أرقام في كشف المعاش، ولا مجرد وضعية إدارية مرتبطة بسنوات الخدمة، بل هي قصة أب وأسرة وأبناء ومستقبل دراسي واجتماعي مهدد بفعل هشاشة الوضع المادي بعد التقاعد.
وهي، في الوقت ذاته، نداء إنساني يقتضي من الجهات المعنية استحضار الأبعاد الاجتماعية والأسرية والإنسانية لهذا الملف، وعدم اختزاله في مجرد تسوية إدارية أو حسابات تقنية للمعاشات.
فإنصاف هذه الفئة لا ينبغي أن يُقاس فقط بما تستحقه من معاش وفق سنوات الخدمة، بل أيضاً بمدى ضمان حق أفرادها في العيش الكريم، وصون كرامتهم، وحماية أسرهم من الهشاشة الاجتماعية، وعدم تحويل سنوات التقاعد إلى سنوات أخرى من المعاناة.
سنة 2027 تقترب… وعشر حالات جديدة على أبواب التقاعد
وتزداد أهمية المعالجة لهذا الملف بالنظر إلى معطى آخر لا يقل أهمية، يتمثل في الإحالة المرتقبة لعشرة أساتذة ومتصرفين من المدمجين بصفة استثنائية على التقاعد خلال سنة 2027.
ويطرح هذا المعطى سؤالاً ملحاً حول مدى استعداد القطاعات والمؤسسات المعنية لاستكمال دراسة الملف قبل إحالة هذه الحالات الجديدة على التقاعد، بما يسمح بتفادي انتقال الإشكالات الإدارية والمالية القائمة إلى مرحلة جديدة قد تترتب عنها انعكاسات على الحقوق التقاعدية والوضع الاجتماعي للمعنيين.
فإذا كانت المعطيات قد أثارت وضعية 14 حالة سبق أن أُحيلت على التقاعد، إلى جانب 8 حالات وفاة تهم أسرها وذوي حقوقها، فإن اقتراب موعد إحالة عشرة أشخاص آخرين على التقاعد يجعل من الضروري تسريع الإجراءات العملية، وتحديد جدول زمني واضح لمعالجة المطالب المطروحة.
ولا يعني ذلك افتراض أن جميع هذه الحالات ستواجه النتائج نفسها، إذ تظل الآثار الفعلية مرتبطة بالوضعية الإدارية والتقاعدية لكل شخص. غير أن تزامن هذه الحالات يبرز أهمية اتخاذ تدابير استباقية، عوض الاقتصار على معالجة الإشكالات بعد وقوعها.
ومن هذا المنطلق، بات لزاما على الجميع التحرك لدى وزارة التربية الوطنية والصندوق المغربي للتقاعد وباقي المؤسسات المعنية إلى مواصلة التنسيق، وتحديد الخطوات العملية اللازمة لتسوية الملف، مع إعطاء الأولوية للحالات التي تواجه آجالاً قريبة للإحالة على التقاعد، دون إغفال حقوق المتقاعدين الحاليين وذوي الحقوق من أسر المتوفين.
إن المطلوب ليس مجرد الاعتراف بوجود إشكال، بل الانتقال إلى إجراءات ملموسة ومواعيد محددة، حتى لا تتحول سنة 2027 إلى محطة جديدة تتسع فيها دائرة الحالات التي تنتظر استكمال التسوية الإدارية والمالية ، طبقا لمخرجات مضمون المحضر المشترك بتاريخ 01 أبريل 2026 ، والذي أكدت وزارة التربية الوطنية بتاريخ 28 يوليوز 2026 للجان التقنية التابعة للنقابات التعليمية الخمس الأكثر تمثيلية عن شروعها في تنفيذ هذا المحضر الموقع مع مديرية الوظيفة العمومية ، على محورين ، يتعلق الأول بالتنسيق مع رئاسة الحكومة في الجانب المتعلق بالترقية الاستثنائية وتعديل تاريخ التوظيف من سنة 2011 إلى سنة 2005 و بالتنسيق أيضا مع الصندوق المغربي للتقاعد من خلال إعداد دراسية فردية لكل حالة لتحديد الأثر المالي المستحق .
مسؤولية مشتركة من أجل إنهاء معاناة طال أمدها
إن استكمال تسوية ملف المدمجين بصفة استثنائية بموجب توصية هيئة الإنصاف والمصالحة من شأنه أن يشكل خطوة إضافية في معالجة الآثار المهنية والاجتماعية المرتبطة بهذا الملف.
وإذا كان الإدماج قد شكل مرحلة من مراحل المعالجة، فإن المرحلة الراهنة تقتضي الانتقال إلى دراسة ما بقي من آثار إدارية ومالية، مع إعطاء اهتمام خاص للمتقاعدين وذوي الحقوق الذين لا تسمح لهم أوضاعهم دائماً بانتظار طويل.
ولذلك، فإن المطلوب اليوم هو تضافر جهود وزارة التربية الوطنية، والصندوق المغربي للتقاعد، والمجلس الوطني لحقوق الإنسان، وباقي المؤسسات المعنية، من أجل دراسة المطالب المطروحة وتحديد سبل تنفيذ الممكن منها، في إطار احترام القانون والقرارات ذات الصلة.
إن معالجة هذا الملف لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها استجابة لمطلب فئوي فحسب، بل باعتبارها جزءاً من النقاش الأوسع حول فعالية جبر الضرر، ومدى قدرة التدابير المتخذة على معالجة الآثار التي ما زالت قائمة في حياة المعنيين.
فخلف كل ملف إداري مسار إنساني، وخلف كل مدة عمل محتسبة أسرة لها التزاماتها وانتظاراتها، ومن ثم، فإن استكمال التسوية الإدارية والمالية لهذا الملف، مع إيلاء المتقاعدين وذوي الحقوق ما يستحقونه من عناية، يظل مطلباً اجتماعياً يستدعي الإنصات والحوار واتخاذ إجراءات عملية واضحة ومنصفة.