وجهة نظر

تمارة: دور المدرسة في التربية على المواطنة وتحقيق التماسك الاجتماعي (الجزء الثاني)

متابعة: أحمد رباص

بعد انتهاء الأستاذ العرفي من إلقاء مداخلته في هذا اللقاء المنظم ليلة السبت الماضي بمقر الاشتراكي الموحد بتمارة، انبرى الأستاذ ربيع الكرعي موجها التحية للحاضرين ومؤكدا أن التعليم ليس مجرد عملية نقل المعرفة، بل هو أسلوب حياة وآلية لبناء المجتمعات ودعم التكافل بين الأفراد والجماعات.
وفقاً للنظريات اللينينية والكانطية وتأثيرات حقبة التنوير، يُنظر إلى التعليم كأداة ضرورية لإحداث التغيير الاجتماعي وتشكيل وعي جديد في المجتمع، يقول المتحدث.
وتابع بالقول إن اللينينية تؤكد على أهمية التعليم في تمكين الطبقات العاملة وتحريرها من أغلال الاستغلال، معتبرةً إياه أداة ثورية في سبيل تحقيق المساواة والعدالة الاجتماعية.
من جانبها، تتناولت الكانطية التعليم كمنهجية لتنمية الفرد وتعزيز استقلاليته الفكرية، داعيةً إلى التفكير النقدي والأخلاق المستنيرة كأسس لمجتمع أفضل.
بخصوص حقبة التنوير، قال الكرعي إنها ركزت على العقلانية والعلم كمنارات لتقدم الإنسان وخروجه من عصر الظلمات ودخوله عصر الأنوار.
واسترسل الكرعي قائلا: “في هذا السياق، يُعد التعليم مصدراً حيوياً لتعزيز التماسك الاجتماعي من خلال زرع قيم التسامح والتفاهم بين مختلف الثقافات والمعتقدات”. وأضاف للمتحدث أن التعليم بمكن له، على ضوء تلك النظريات، أن يبني جسوراَ من الاحترام والتضامن الإنساني بين الأفراد والجماعات، ويسمح بتخطي العوائق الطبقية والاجتماعية.
كذلك يساهم التعليم في استشراف آفاق المستقبل، حيث يمتلك التنوع الثقافي والفكري دوراً مركزياً في إبداع حلول جديدة لمشكلاتنا المعقدة. ومن خلال تعليم يقوم على أسس نظريات التنوير اللينينية والكانطية، يمكن خلق مواطنين فاعلين، مسؤولين، وقادرين على وضع الصالح العام فوق المصالح الشخصية.
إن التعليم بوحي من روح لينين وكانط وتراث التنوير، ليس مجرد سعي نحو اكتساب المعرفة، بل هو سعي نحو بناء مجتمع قائم على أسس العدالة، الحرية، واحترام التنوع الإنساني. وأكد الكرعي أن تفعيل هذه المقومات يتطلب إرادة سياسية ومجتمعية لدعم تعليم ينمي الوعي ويدعم التماسك في أوج التحديات والتغيرات.
وتبعا لذلك، أكد الكرعي أن التعليم يشكّل اللبنة الأساسية لتحقيق التماسك الاجتماعي، ويبرز كأداة محورية في بناء الهوية الثقافية وترسيخ القيم الجماعية التي تعزز الوحدة وسط التنوع.
وأوضح الكرعي أنه عند التطرق إلى النظرية اللينينية، نجد أن المختصين نظروا إلى التعليم بوصفه أداة للتحرر من الاستبداد والإقطاعية، وباعتباره وسيلة لتمكين الطبقة العاملة من التحليل النقدي للواقع الاجتماعي والسياسي، وبهذا يستطيع الأفراد الانخراط في النضال الطبقي بوعي أكبر.
أما النظرية الكانطية، يتابع الكرعي، فهي تنظر إلى التعليم كأداة لتحقيق “أغراض الإنسانية” وذلك من خلال تنمية الإمكانات الأخلاقية والعقلية للفرد. كما رأى أن هذه النظرية تحدد أحد أدوار التعليم في احترام الذات والآخر وتوجيه السلوك الإنساني نحو المثل الأعلى في التعايش والأخلاق الفاضلة.
أما في زمن التنوير، فقد كان هناك تأكيد قوي على أن التعليم يجب أن يخرج الإنسان من قصوره الذاتي، انطلاقا من مقولة “لتكن لكم الجرأة على استخدام عقولكم!” التي هي بمثابة شعار يحفّز الأفراد على التمسك بقوة العقل في مقابل التقاليد والسلطة الدينية أو السياسية التي لا تقوم على العقلانية.
وهكذا خلص المتحدث من هذا التحليل النظري إلى أن التعليم القائم على تلك الأسس يعزز قدرات الأفراد على المشاركة الفعّالة والمواطنة الصالحة، التي تنعكس إيجابياً على الصحة الاجتماعية للمجتمع بكامله. وبتوفير مساحة للحوار والتنوع والتسامح، يصبح التعليم جسراً لعبور الخلافات ونقطة التقاء لتلاقح الأفكار والثقافات، يضيف الكرعي.
ورأى المتحدث أن المطلوب من التعليم هو أن يكون متكاملاً يشمل مختلف الجوانب الإنسانية: الفكرية، العاطفية والاجتماعية، وأن يندرج ذلك في إطار سياسات تعليمية تؤمن بأهمية العدالة التعليمية والمساواة في تحقيق الفرص للجميع.
وفي الأخير، أشار المتدخل إلى أنه من الواجب علينا الوعي بأن التعليم ليس عملية تنتهي بمرحلة ما، بل هي رحلة مستمرة تسير جنبًا إلى جنب مع التغيرات الاجتماعية والتكنولوجية، وبأن دوره في تعزيز التماسك الاجتماعي يتطلب جهوداً متواصلة للتطوير والإبداع لمواكبة هذه التغيرات.
(يتبع)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى