وجهة نظر

من يقف وراء الاحتجاجات في إيران؟ وهل يصمد النظام الإيراني هذه المرة أيضا أمام هذا الإمتحان؟ -د. محمد أكديد

  الكثير من المحللين والمتابعين للمشهد الإيراني ومعهم جمهور عدد من القنوات الغربية والعربية التي احترفت تضليل الرأي العام على مدى عقود لم تحصد خلالها المنطقة العربية والإسلامية من وراءهم سوى النكسات والهزائم منساقون اليوم وراء ما تبثه الدعاية الأمريكية والصهيونية حول الاحتجاجات القائمة في إيران. هذه الاحتجاجات التي كان وراءها بداية دوافع اقتصادية بالأساس قبل أن تتحول بعد تدخلات فاضحة من أجهزة المخابرات الأمريكية والموساد الإسرائيلي إلى مطالبات بإسقاط النظام، حيث اخترقت المظاهرات عدد من المجموعات التكفيرية التي تسلل بعضهما من الدول المجاورة كأفغانستان وباكستان بدعم غربي مفضوح لتستهدف بالأسلحة النارية والبيضاء المتظاهرين من الشعب وقوى الأمن على السواء فضلا عن تخريب الممتلكات العمومية وإضرام النيران في المقار الحكومية وعدد من المراقد الدينية لإشعال الشارع الإيراني ضد النظام الإسلامي تماشيا مع أجندات جيوستراتيجية مشبوهة هدفها تقسيم البلد وإعادته إلى بيت الطاعة الأمريكي بعد أن خرج منه بعد نجاح الثورة الإسلامية التي قلبت في نهاية السبعينات من هذا القرن الطاولة على الشاه الذي يطرح الأمريكي اليوم نجله كبديل لمرشد الجمهورية الإسلامية السيد الخامنائي في تجاهل تام لإرادة أغلبية الشعب الإيراني المتمسك بقيادته الحالية.
لكن هناك عدد من النقاط التي غفلها هؤلاء الذين يتمنون سقوط النظام الإسلامي في إيران، تماشيا مع إرادة الغرب والكيان الصهيوني، سوف نقف هنا على بعضها:

أولا، نجل الشاه هذا الذي تريد أمريكا وإسرائيل إعادته من منفاه وفرضه على الشعب الإيراني ليست له أي شعبية في البلد إلا من بعض الأطراف التي لها علاقات مشبوهة بدوائر الاستعمار والصهيونية في الخارج ممن يكرهون النظام الإسلامي بمحافظيه وإصلاحييه، أما أغلبية الشعب في إيران فهم يكرهون العودة معه إلى مربع الاستبداد والتبعية بعد أن تخلصوا من أباه منذ عقود، وقد ذاقوا خلال آخر أيامه قبل الثورة معه الأمرين من الفقر المذقع رغم مظاهر الثراء الفاحش الذي كانت تتنعم به حاشية الشاه، إلى جلادو السافاك الذي تفننوا في قمع المعارضة الإيرانية حينها من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار.

ثانيا، الشعب الإيراني شعب واع وحر، وهو سيد على قراراته، فلا ينتظر أوامر من الخارج لكي ينزل إلى الشارع، خصوصا إذا كانت هذه الدعوات صادرة من جهات تجمع على كرهها كل فئات هذا الشعب، حيث لم يتوقف المسؤولون الصهاينة و معهم إدارة ترامب عن التحريض ضد النظام ودعوة المتظاهرين إلى البقاء في الشارع، مما أثار حفيظة المحتجين ليتراجع أغلبهم ويعود أدراجه خاصة بعد أن اخترقت المظاهرات عناصر تكفيرية مسلحة حاولت إعادة السيناريو السوري في إيران قبل أن يتم إسقاط القناع عمن يقف وراءها في الداخل والخارج، حيث تم القبض على أكثر من مئتي عميل للموساد ممن كانوا وراء إثارة الشغب واستهداف المتظاهرين وقوى الأمن خلال اليومين الماضيين. وقد قامت تل أبيب وواشنطن بدعم فصائل إيرانية تكفيرية إرهابية ذات طابع انفصالي كما في بلوشستان وكردستان، بهدف إحداث الفوضى والتقسيم الذي بات يهدد عددا من البلدان العربية والإسلامية وفق مخطط مشبوه تقف خلفه أمريكا وربيبتها إسرائيل لإعادة رسم خريطة المنطقة تبعا لمحددات عرقية ولغوية ودينية وطائفية تحت شعار فرق تسد، خاصة بعد إضعاف المحور بعد سقوط سوريا في براثنهم مما جعل الجمهورية الإسلامية، ولأول مرة، مكشوفة لهم ودون عمق استراتيجي مما شجعهم على نقل القتال إلى داخل الجغرافيا الإيرانية.

ثالثا، من يظن بأن دوافع هذه الاحتجاجات سياسية بالأساس وأن المتظاهرون كما يحاول الإعلام الغربي والمتصهين تصويرهم يرفعون شعارات مناهضة للنظام في إيران الذي يتهمونه بالاستبداد والقمع وضد مرشد الجمهورية الإسلامية فهو واهم، إذ أن الأسباب الحقيقية وراء هذه الاحتجاجات تبقى اقتصادية بالأساس، ذلك أن نسبة من البرجوازية الصاعدة وتجار البازار الذين يشكلون عصب الحياة الاقتصادية في البلد قد تضرروا جراء السياسة المالية التي تنهجها الحكومة خصوصا مع انهيار العملة (التومان) بسبب الحصار الاقتصادي الخانق الذي يفرضه الغرب على البلد منذ عقود في مقابل ارتفاع سعر الدولار خصوصا عند استيراد بعض السلع غير المتوفرة بالداخل الإيراني، حيث بات هامش الأرباح ضيقا مع تدخل الدولة في تحديد هذا الهامش حتى لايتضرر المواطن البسيط، مما أثر سلبا على معيشة الطبقة المتوسطة بالبلد، وهي فئة مهمة طبعا، لكنها ليست بحجم الطبقات الهشة التي تستفيد من دعم حكومي لافت في المواد الأساسية وتسهيلات مهمة في ولوج الخدمات الأساسية فضلا عن توفير السلع بأثمنة رخيصة تناسب وضع هذه الفئات التي تعد بالملايين، خاصة وأن أغلب المواد بما في ذلك الأدوية باتت تصنع محليا ليتم الاستغناء عن استيرادها من الخارج وتفادي التكاليف الزائدة. وهذه الفئات بالذات هي التي خرجت اليوم في كل المحافظات لتأييد نظام الجمهورية الإسلامية والوقوف ضد مخططات الغرب الاستعماري في البلد، مع تسجيل انسحاب المحتجين الذين خرجوا في البداية استجابة لبعض المطالب المشروعة (ارتفاع الأسعار، انهيار العملة، عدد من مظاهر الفساد الإداري والمالي التي تكرسها بعض الأيادي الخبيثة التي باتت مؤخرا تعبث بالاقتصاد الإيراني من خلال التلاعب في سوق العملات وبث ونشر الدعايات الكاذبة بدعم خارجي أحيانا، وأخيرا نقص المياه خصوصا في العاصمة طهران) بعد انحراف الأحداث عن مسارها نحو العنف بسبب اختراق عدد من العملاء والتكفيريين المظاهرات، ولأن تجار البازار أيضا كانوا ولازالوا من أكبر مؤيدي نظام الجمهورية الإسلامية.

رابعا، لقد شهدت إيران مرارا مثل هذه الأحداث، لعل أبرزها ماوقع على خلفية وفاة مهسا أميني سنة 2022 عندما اتهمت القنوات الغربية الشرطة الإيرانية بقتلها، قبل أن يظهر فيديو يوثق سقوطها داخل مخفر الشرطة دون أن يمسها أحد. حيث ركب الإصلاحيون في الداخل على هذه الموجة لإحراج حكومة المحافظين التي كان يترأسها المرحوم إبراهيم رئيسي. حيث حاول المحافظون في بداية الاحتجاجات اليوم رد الصاع صاعين لحكومة بزشكيان الإصلاحية، قبل أن يتدخل كل من ترامب ونتنياهو بتصريحاتهما المستفزة الغبية التي نبهت جمهور المحافظين في إيران إلى نية الأمريكي والإسرائيلي استغلال هذه الاحتجاجات لقلب النظام من الداخل، خاصة بعد إخراجهما لورقة نجل الشاه المحترقة أصلا، وإقدام إيلون ماسك على تغيير علم الجمهورية الإسلامية بعلم نظام الشاه البائد مع رفعه في عدد من العواصم الأوروبية كلندن من طرف المعارضة الإيرانية بالخارج، والتي لازال بعض قادتها يحلمون بعودة النظام الشاهنشاهي المنبوذ في الداخل الإيراني من طرف أغلبية الشعب الذي سرعان ما يعود إلى الالتفاف حول قيادته كلما استجد خطب يهدد أمن و استقرار نظام الجمهورية الإسلامية الذي لازال رغم كل شيء يتمتع بدعم شعبي كبير ارتفع منسوبه بعد إسناده لمقاومة غزة من خلال محور الممانعة الذي قدم تضحيات كبيرة وأدى أثمانا باهظة في سبيل هذا الموقف المبدئي، وكذا خوضه حربا مفتوحة ضد الكيان الصهيوني لمدة 12يوما لقنه خلالها درسا قاسيا أدى بنتنياهو إلى استجداء ترامب لإيقاف هذه الحرب في أسرع وقت وبأي ثمن قبل الانهيار.

أخيرا، فإن مايتمناه بعض المغيبين عن المشهد الجيوستراتيجي الذي يجري الآن صياغته وفق الرؤية الأمريكية الإسرائيلية بالمنطقة من سقوط النظام الإسلامي في إيران، يقودهم في ذلك نزعات طائفية بئيسة أو ضعف في قراءة المشهد السياسي بالداخل الإيراني بسبب غياب الكثير من المعطيات المهمة عن ذهن هؤلاء نتيجة التضليل الإعلامي الممنهج، لن يحصل للأسباب التي تم عرضها أعلاه، و عواقب حصوله، على أسوأ تقدير، سوف يدخل إيران في مخططات التقسيم كما يقع اليوم في سوريا والسودان والصومال وعدد من الدول المستهدفة من طرف الإستعمار الغربي والتوسع الصهيوني في المنطقة والعالم، كما سيدخل المنطقة العربية والإسلامية برمتها إلى الزمن الصهيوني والعربدة الأمريكية التي باتت أكثر تصريحا و وقاحة مع إدارة ترامب.

د. محمد أكديد، باحث في علم الاجتماع السياسي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى