ثقافة و فن
إشكالية ملائمة المنهج للموضوع في البحث العلمي-المصطفى عبدون

لا يتفق علماء المنهج حول الكيفية التي يتعين بها تعريف المنهج العلمي. اعتبر “رومل” أن المنهج العلمي فحص دقيق يهدف لاكتشاف معلومات أو علاقات جديدة، ويذهب “دالين”إلى وصفه بالمحاولة الدقيقة الناقدة للتوصل الى حلول المشكلات التي تؤرق البشرية،في حين أن “قود” يؤكد على أن المنهج يختلف باختلاف أنواع البحث ومجالاتها وأهدافها ووسائلها، الأمر الذي يعني وجوب عدم الاهتمام بطرح تعريف عام له.لكن رغم هذا، فإن هناك شبه إجماع بين علماء المنهج حول تقرير كون المنهج العلمي معيارا ملائما للتمييز بين العلم واللاعلم، فالمعرفة لاتكون علمية ما لم يتم التوصل إليها عبر تطبيق قواعد المنهج العلمي.
ومصطلح المنهج “Méthode” لفظة مشتقة من كلمة يونانية، بمعنى البحث أو النظر أو المعرفة، ويرجع أصلها الاشتقاقي إلى معنى الطريق المؤدي إلى الغرض المطلوب. ويعتبر “منهج البحث العلمي” علمًا قائما بذاته يسمى “علم مناهج البحث” “Méthodologie” أو علم المناهج اختصارا، ويمثل أهم جوانب العلم والمعرفة العـلمية.
المنهج لغة فهو الطريق الواضح، ولذا فإنه يتوجب أن يؤدي إلى غايات أو مقاصد بعينها.وهذا التعريف اللغوي يقرر أن المنهج العلمي هو السبيل الواضح الذي يسلكه كل من يروم إنجاز المهام المنوطة بالنشاطات العلمية شريطة أن يتبع المنهج العلمي وسيلة لإنجاز تلك المهام.وقد استقر معنى كلمة منهج منذ عصر النهضة الأوربية في الطريق المؤدي إلى الكشف عن الحقيقة في العلوم بواسطة طائفة من القواعد العامة، تهيمن على سير العقل وتحدد عملياته حتى يصل إلى نتيجة معلومة.
البحث العلمي هو عبارة عن نشاط فكري منظم الخطوات يهدفللبحث عن حقائق تتعلق بمشكلة أو مسألة معينة هي موضوع معين، مسترشدا بمنهج كسلسلة من الخطوات المنظمة التي تشكل طريقة علمية من أجل الوصول إلى نتائج وحلول مناسبة للموضوع المطروح، بحيث تكون تلك الحلول ملائمة لعلاج المشكلة أو صالحة للتعميم على قضايا مماثلة.يمكن بشكل عام، تحديد خطوات ملائمة المنهج العلمي للموضوع على النحو التالي:
أ) تحديد المشكلة وصياغتها
يختلف تعريف مشكلة البحث رجوعا إلى الحقل المعرفي الذي تنتمي إليه،فهي عبارة عن عقبات وعراقيل تقف في وجه تلبية وتحقيق الحاجات والرغبات والأهداف وقدتكون وضع جديد غير مرغوب فيه، يطرأ نتيجة تغيرعلى طريقة العمل أو بسبب ظرف معين أو موقف غامض يحتاج إلى الشرح والتفسير أو حالة مستعصية تحتاج إلى فهم وإدراك والتمكن من معالجتها والتغلب عليها.
يمثل اختيار مشكلة البحث مرحلة حاسمة من مراحل أي نمط من أنماط البحث العلمي، وهي مرحلة تسبق مرحلة تحديد المشكلة وتتبع مرحلة الشعور بها بوصفها مدعاة للحل. قد يعجز المرء عن تفسير حدث وقع بشكل لم يكن يتوقعه،أو يكلف بدراسة ظاهرة بغية معرفة علة وقوعها، أو تراوده الشكوك حول كفاية الأدلة التي طرحت بوصفها شواهد على مصداقية فرضية بعينها،هكذا تتعدد أنماط المشاكل العلمية قدر ما تتعدد مبررات الاهتمام بإيجاد حلول لها.
والواقع أن المنهج العلمي لاينطوي على أية قواعد يمكن بتطبيقها العثور على المشاكل. على ذلك، فإن هناك جملة من الأسس أو المعايير التي يتعين أخذها بعين الاعتبار حين يدخل الباحث في خضم مرحلة اختيار مشكلة لبحثه، نذكر منها وجوب ألا تكون مشكلة قد تم التطرق إليها من قبل بطرق مرضية، وأن يكون قادرا عبر الوسائل المتاحة له على الإسهام في حلها وعلى تبيان مدى أهميتها.
يتعين أيضا أن تكون المشكلة من النوع الذي يفضي حلها إلى الحكم على قدر كاف من العمومية درءا لأن يتجنب الباحث إضاعة جهده في مشاكل جزئية متناثرة لا تخدم المجال الذي يدرسه.وأيضا وجوب أن تستحوذ المشكلة على اهتمام الباحث على المستوى النفسي ووجوب أن تقع ضمن مجال تخصصه وأن تتلاءم مع قدراته اللغوية ومهاراته العلمية.بعد اختيار المشكلة وتحديدها بشكل عام، يتوجب أن تتم صياغتها صياغة دقيقة بحيث يتحدد مدى وحجم الدراسة كما يتحدد نوع المتغيرات التي يتعين ضبطها.
ب) اقتراح الفرضيات والحلول
بعد أن يشعر الباحث بأهمية المشكلة وبعد أن يقوم بصياغتها صياغة دقيقة، يتعين عليه تجميع بعض المعلومات التي يبدو أنها متعلقة بالمشكلة وتتبع بعض العلاقات التي قد تميط اللثام عن مفتاح الصعوبة. هنا تأتي مرحلة اقتراح الحلول أو الفرضيات التي من شأنها أن تبين سبب حدوثها.
الفرضية هي طرح حل محتمل أو تفسير مقترح لمشكلة، فهي عبارة عن أطروحة مقترحة منطقية تقدم علاقة ارتباط بين عوامل محددة في قضية.إن الفرضيات هي عبارة عن تخمينات مبدئية يصوغها الباحث ويتبناها بشكل مؤقت لوصف أو تعليل ما يلاحظ من ظواهر. إن الفرضية هيالتيتحدد جملة الوقائع المتعلقة بها والتي قد تكون شواهد عليها أو ضدها،فضلا عن كونهاتحدد نوع الدراسة التي يقوم بها الباحث(وصفية،تاريخية،تجريبية……) كما تحدد طريقة البحث الملائمة لاختياره،بما يتضمنه هذا التحديد من تعيين لأدوات الدراسة.
وبعد أن يقوم الباحث بصياغة الفرضيات، تأتي المرحلة الاستدلاليةالصرفةتهدف إلى تحديد مجموعة القضايا التي سوف يتم اختبارها مباشرة، ذلك الاختبار الذي يتم الاحتكام إليه بشكل استقرائي للبث في أمر ملائمة الفرضية المعنية.
ج) اختبار الحلول أو الفرضيات المقترحة
يتوقف نوع الاختبار الذي يتعين القيام به على نوع الدراسة التي يقوم بها الباحث وعلى الغاية منها. فالدراسات الوصفية على سبيل المثال بما تشمله من دراسات وصفية مسحيةودراسات استكشافية، تهدف إلى مجرد معرفة الوضع الراهن للظواهر موضع الدراسة،ولذا فإن سبل اختبار فرضياتها، يختلف اختلافا جوهريا عن سبل اختبار فرضيات الأبحاث التجريبية التي تعنى بأمر كيفية حدوث الظواهر وبأمر تحديد أسبابها. هنا يلعب التجريب دوره الفاعل ويتم تحديد متغيرات الظواهر بشكل يسمح بإمكان ضبطها والتحكم فيها.
د) استنباط النتائج
هي المرحلة التي تعقب مرحلة اختبار الفرضيات، وفيها يتم تحديد ما استخلصه الباحث من نتائج تتعلق بأمر احتمال صحة ما ضمنه الباحث من الفرضيات وحلول للمشكلة التي عني ببحثها.
تلك باختصار هي الخطوات الأساسية التي يشتمل عليها ملائمة المنهج العلمي للموضوع المدروس. ورغم أن هذه الخطوات تبدو سهلة،إلا أن القيام بها على أكمل وجه يتطلب حرصا شديدا، فضلا عن أن صياغتها وترتيبها على هذا النحو كان نتاجا لتاريخ طويل من الممارسات والمحاولات التي بذلها البشر منذ أن اضطلعوا لأول مرة بمهمة حل ما يواجههم من مشكلات.
كما نخلص إلى القول بأن المنهج العلمي بشكل عام مجرد فكرة تتم صياغتا في جملة من القواعد العامة التي يتوجب تطبيقها من قبل ممارسي النشاط المعني والبحث العلمي بالمقابل ليس فكرة بل تحقيق عيني وممارسة عملية لفكرة المنهج. كما أن المنهج العلمي يكون ملائما إذا كان احتمال أن يفضي تطبيقه إلى انجاز غايات العلم يفوق احتمال أن يفضي أي منهج بديل متوافر إلى إنجاز تلك الغايات. لكن كيف يمكن الاستفادة من المنهج العلمي وخطواته،أي استثماره في نموذج الكتابة الإنشائية الفلسفية؟
مما لاشك فيه أن حضور ملامح المنهج العلمي وخطواته في الكتابة الإنشائية الفلسفية واضح وبين. فإذا كان الإنشاء الفلسفي يعتمد على مجموعة من الخطوات أهمها المقدمة أو التمهيد والذي من خلاله يتم تحديد القضية أو الموضوع أو المشكلة وإبراز مفارقاتها التي تشكل مبررا كافيا للشروع في تناولها بالتحليل والمناقشة، وهذه المرحلة تتوافق مع المرحلة الأولى من مراحل المنهج العلمي وهي مرحلة تحديد المشكلة وصياغتها.
ثم بعدها تأتي مرحلة طرح الإشكالات والتي تشمل على طرفين أساسيين يشكلان إجابات مختلفة ومتعارضة على الإشكال الأساسي، وهذا ما يتناسب أيضا مع مرحلة اقتراح لفرضياتوحلول. وبعد طرح الإشكالات نقوم بعملية تحليل هذه الإشكالات ومناقشتها اعتمادا على عمليات الاستدلال البرهاني والمنطقي ومختلف الأساليب الحجاجية الأخرى التي سوف تسعفنا في معالجة الإشكال المطروح.هذه المرحلة تتزامن أيضا مع المرحلة الثالثة من خطوات المنهج العلمي وهي خطوة اختبار الفرضيات. ثم في الأخير فيما يتعلق بالإنشاء الفلسفي، نقوم باستخلاص أهم النتائج والخلاصات التي توصلنا إليها أثناء عملية التحليل والمناقشة، وهي الخطوة الأخيرة أيضا من خطوات المنهج العلمي.
المراجع
-
عبد السلام بن ميس وحايمةغازي، دليل الطالب الباحث في تحضير وتقديم الرسائل والأطروحات الجامعية،منشورات كرسي اليونيسكو في الفلسفة، 2014.
-
أحمد شلبي، كيف تكتب بحثا أو رسالة، 1957.
-
عبد السلام بلحسن،المنهج العلمي،الحوار المتمدن-العدد: 2995 – 2010 / 5 / 4 – 02:07
-
محمد وقيدي، ماهي الإبستمولوجيا، دار الحداثة، 1983.
-
Claude Mouchot, Introduction aux sciences sociales et à leurs méthodes, Les Editions Toubkal 1986.



