المرأة

اليوم العالمي للمرأة: نحو إنصاف المرأة المنسية في القرى والهوامش بقلم الأستاذ:حسن تزوضى

   كلما حل اليوم العالمي للمرأة إلا وخطر ببالي أمي، المرأة القروية البسيطة التي لا تعرف أصلا أن هناك يوما عالميا للمرأة. حينها أجد نفسي أمام مفارقة عميقة: فهذه المرأة التي أفنت عمرها في العمل والتضحية والصبر تبدو وكأنها خارج الحسابات، سواء على المستوى الرسمي أو الإعلامي، ومن هنا فإن الحديث عن حقوق المرأة لا يمكن أن يظل محصورا في الخطابات الاحتفالية أو في النقاشات النخبوية التي تدور في المدن، بل ينبغي أن يمتد ليشمل النساء اللواتي يعشن في القرى والهامش، بعيداً عن الأضواء، رغم أنهن يشكلن في الواقع إحدى الركائز الأساسية للحياة الاجتماعية.
لنعد إلى اليوم العالمي للمرأة، فكما هو معلوم يحل الثامن من مارس من كل سنة بوصفه مناسبة عالمية للاحتفاء بنضالات النساء عبر التاريخ من أجل الكرامة والمساواة والاعتراف. غير أن هذا اليوم في عمقه، لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد طقس احتفالي أو مناسبة لتبادل الشعارات، بل إلى لحظة للتفكير النقدي في واقع النساء داخل المجتمعات، وفي طبيعة البنيات الثقافية والاجتماعية التي ما تزال تعيق تحقيق عدالة حقيقية بين الجنسين. فاليوم العالمي للمرأة ليس فقط مناسبة للاحتفاء بالمكتسبات، بل هو أيضا فرصة لطرح الأسئلة الصعبة حول الفئات النسائية التي ما تزال تعيش في الظل.
وغالبا ما يتم اختزال قضية المرأة في صراع ثنائي بين الرجل والمرأة، وكأن الأمر يتعلق بمواجهة مباشرة بين طرفين متعارضين. غير أن هذا التصور يظل تبسيطيا، لأنه يغفل أن المشكلة الحقيقية ليست في الرجل باعتباره فردا، بل في منظومة ثقافية وتاريخية رسخت عبر الزمن أنماطا من الهيمنة الرمزية. وقد أشار عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو إلى هذا النوع من الهيمنة من خلال مفهوم “العنف الرمزي”، أي ذلك الشكل غير المرئي من السيطرة الذي يمارس عبر اللغة والتقاليد والتنشئة الاجتماعية، بحيث يبدو طبيعيا وبديهيا رغم أنه في الواقع نتاج تاريخ طويل من التراتبية الاجتماعية.
ومن هذا المنظور، فإن النضال من أجل حقوق المرأة لا ينبغي أن يفهم باعتباره مواجهة مع الرجل، بل باعتباره سعيا لتفكيك البنيات الثقافية التي أعادت إنتاج التفاوت والتمييز عبر الأجيال. وقد عبرت الفيلسوفة الفرنسية سيمون دي بوفوار عن هذه الفكرة بقولها الشهير: «لا تولد المرأة امرأة بل تصبح كذلك»، في إشارة إلى أن الهوية الاجتماعية للمرأة ليست معطى طبيعيا خالصا، بل هي نتيجة مسار طويل من التنشئة الاجتماعية التي تحدد أدوار النساء ومكانتهن داخل المجتمع.
غير أن الحديث عن وضع المرأة في المغرب يقتضي أيضا الانتباه إلى التفاوتات العميقة بين النساء أنفسهن. فهناك فرق واضح بين المرأة التي تعيش في المدن الكبرى وتستفيد نسبيا من فرص التعليم والعمل والمشاركة في الفضاء العمومي، وبين المرأة القروية التي ما تزال تواجه ظروفا اجتماعية واقتصادية صعبة. فالمرأة في القرى المغربية تضطلع بأدوار متعددة في الحياة اليومية؛ فهي تعمل في الحقول، وتشارك في تدبير شؤون الأسرة، وتسهم في الاقتصاد المحلي بجهدها اليومي، ومع ذلك فإن هذا العمل غالبا ما يظل غير مرئي في الإحصاءات الرسمية، وكأنه جزء طبيعي من الحياة القروية لا يستحق الاعتراف أو التقدير.
إن هذه المفارقة تكشف عن أحد أوجه اللامرئية الاجتماعية التي تعاني منها النساء في الهامش. فالمرأة القروية ليست فقط ضحية الفقر أو الهشاشة الاقتصادية، بل هي أيضا ضحية نوع من الإقصاء الرمزي الذي يجعل حضورها ضعيفا في النقاش العمومي وفي السياسات التنموية. ولهذا يصبح الحديث عن حقوق المرأة ناقصا إذا اقتصر على الخطاب النخبوي في المدن، دون أن يشمل النساء اللواتي يعشن في القرى والمناطق النائية.
وفي هذا السياق، قدمت المفكرة المغربية فاطمة المرنيسي تحليلات عميقة حول وضع المرأة في المجتمعات العربية والإسلامية، مؤكدة أن تحرير المرأة لا يمكن أن يتحقق فقط عبر الإصلاحات القانونية، بل يتطلب أيضا إعادة النظر في التمثلات الثقافية التي تحدد موقعها داخل المجتمع. فالقوانين قد تفتح المجال للتغيير، لكنها لا تستطيع وحدها تغيير العقليات إذا لم تترافق مع تحول في الوعي الاجتماعي.
لقد عرف المغرب خلال العقود الأخيرة إصلاحات مهمة في مجال حقوق المرأة، أبرزها مدونة الأسرة لسنة 2004 التي شكلت خطوة متقدمة في تعزيز مكانة المرأة داخل الأسرة، إضافة إلى التنصيص الدستوري على مبدأ المساواة بين الجنسين. غير أن التحدي الحقيقي ما يزال يكمن في ترجمة هذه المبادئ إلى واقع ملموس، خاصة في المناطق القروية حيث تتقاطع إشكالات الفقر والهشاشة مع نقص الخدمات الأساسية مثل التعليم والصحة والبنية التحتية.
إن إنصاف المرأة القروية لا يعني فقط تحسين ظروفها الاقتصادية، بل يعني أيضا الاعتراف بدورها الحيوي في المجتمع. فالمرأة في القرى ليست مجرد فرد داخل الأسرة، بل هي عنصر أساسي في الحفاظ على التوازن الاجتماعي والثقافي، وفي نقل القيم والتقاليد بين الأجيال. ولذلك فإن الحديث عن التنمية القروية دون إدماج المرأة القروية في قلب السياسات العمومية يظل حديثا ناقصا، لأنه يتجاهل أحد أهم الفاعلين في الحياة الاجتماعية.
في النهاية، يمكن القول إن اليوم العالمي للمرأة ينبغي أن يتحول من مناسبة احتفالية إلى لحظة للتفكير في معنى العدالة الاجتماعية داخل المجتمع المغربي. فالاحتفاء بالمرأة لا يكتمل إلا حين يمتد ليشمل النساء اللواتي يعشن في الهامش، بعيدا عن الأضواء والخطابات الرسمية. إن إنصاف المرأة القروية هو في الحقيقة إنصاف للمجتمع بأسره، لأنه يفتح الطريق نحو تنمية أكثر توازنا وإنسانية، ويعيد الاعتبار لأولئك اللواتي ظللن طويلا أعمدة صامتة يقوم عليها المجتمع دون أن يحظين بما يستحقنه من اعتراف وتقدير.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى