ثقافة و فن

عبد الله العروي: مفهوم الوحي في التجربة الإبراهيمية-المصطفى (الجزء الاول )

  منذ صدور كتابه الأول “الإيديولوجيا العربية المعاصرة” أراد المفكر عبد الله العروي أن يضع القواعد الصلبة من أجل تأسيس صرح الحداثة داخل الثقافة العربية، وأن يكون منذ البدايات واضحا في اختياراته بعيدا عن كل مقاربة توفيقية أو ملاينة عند إعلانه عن بيانه الحداثي الأول، الذي يدعو فيه، إلى أن “نودع المطلقات جميعها، نكف عن الاعتقاد أن النموذج الإنساني وراءنا لا أمامنا، وأن كل تقدم إنما هو في جوهره تجسيد لأشباح الماضي وأن العلم تأويل لأقوال العارفين وأن العمل الإنساني يعيد ما كان ولا يبدع ما لم يكن…بحيث لا يمكن لأحد أن يدعي، فردا أو جماعة أنه يملك الحقيقة المطلقة عن طريق الوحي والمكاشفة ويفرضها على الآخرين.”(العروي، 2004، ص115)

الحداثة حركة انفصال، إنها تقطع مع التراث والماضي، ولكن لا لنبذه وإنما لاحتوائه وتلوينه وإدماجه في مخاضها المتجدد. ومن ثمة فهي اتصال وانفصال، استمرار وقطيعة: استمرار تحويلي لمعطيات الماضي وقطيعة استدماجية له. هذا الانفصال والاتصال تمارسه الحداثة حتى على نفسها، فما يسمى ما بعد الحداثة، لا يمثل مرحلة تقع خارج الحداثة “وبعدها”، إنه أقرب ما يكون إلى مراجعة الحداثة لنفسها لنقد بعض أسسها وتلوينها، فإذا ما غلب على دينامية الحداثة منطق الفصل والقطيعة، فإن ذلك وسم المراحل الظافرة للحداثة في ذروتها لتعود إلى توسيع وتليين آليتها ابتداء من منتصف القرن العشرين.

وقد رافقت كل هذه التحولات سمات فكرية وفلسفية كبرى أهمها العقل والعقلانية حيث غدا العقل الحسابي والنقدي هو معيار كل معرفة ومرجعها الحاسم إلى درجة جعلت منتقدي الحداثة يعيبون عليه كونه عقلا أذاتيا وإرادة بتعبير هيدغر، تفتقد الغايات القصوى والأهداف والمعاني السامية. وقد حاول بعض الباحثين مراعاة كل جوانب ومستويات الحداثة سواء من حيث أسسها الفلسفية أو من حيث مظاهرها السياسية والاجتماعية المختلفة، طارحين في النهاية تساؤلات حول علاقتنا بالحداثة كمادة خصبة للتفكير في مختلف جوانب هذه الظاهرة الشائكة، من منظورات متعددة.(سبيلا وبنعبد العالي، 2004)

وفي هذا الصدد، يقول عبد الله العروي، في مستهل عمله “السنة والإصلاح”: لا أرى نفسي فيلسوفا. من يستطيع اليوم أن يقول إنه فيلسوفا؟، ولا أرى نفسي متكلما، ولا حتى مؤرخا همه الوحيد استحضار الواقعة كما وقعت في زمن معين ومكان محدد. لم أرفع أبدا راية الفلسفة، ولا الدين، ولا التاريخ، بل رفعت راية التاريخانية في وقت لم يعد أحد يقبل إضافة اسمه إلى هذه المدرسة الفكرية لكثرة ما فندت وسفهت.(العروي، 2008، ص6).

يصرّ العروي على البقاء وفيّاً لانتمائه الأصلي “التاريخانية”، بالرغم مما تعرض له هذا التيار الفكري من انتقادات عنيفة، وليست التاريخانية في رأيه سوى معانقة للتاريخ والاندماج الكلي في المجموعة البشرية التي ينتمي إليها والارتباط النهائي بمآلها والتكلم بلسانها والنطق بمنطقها والخضوع لقانونها حيث تهدف التاريخانية، من وراء ضبط قوانين التاريخ وتطوره، إلى استشراف المستقبل. يمكن القول، من جهة أخرى، بأن هذا الكتاب تفكير في الحداثة الإسلامية، التي لا يمكن أن تقوم ما لم يتم تفكيك آليات ومفاهيم العقل المستعمَل في صناعة السُّنن والأنظمة الدينية والفلسفية والكلامية، سعيا وراء تأمل أصولها العلمية والفلسفية المشتركة، والتي يعبرعنها بالهلستينية.

1) الزمن والذاكرة والعهد الهلستيني الجديد

يعتبر محمد المصباحي أن أسلوب الكتابة الذي اختاره عبد الله العروي في كتابه “السنة والإصلاح” على طريقة المذكرات/المراسلات، ساعدته على الابتعاد عن الكتابة الاستدلالية التحليلية التي تدّعيها الفلسفة وأن يتعالَى على الحجة والدليل، والاكتفاء باعتصار خبرة العمر على نحوٍ تقريري شبه نهائي من خلال الارتفاع فوق التاريخ والفلسفة والثيولوجيا نحو الميثولوجيا. جعل من الزمن مفهوما عمليا مبعثا ومحرضا على توجيه نظرتنا نحو المستقبل، لا مجرد أداة إبستمولوجية للوصف والتصنيف وإنما من أدوات الحرية. تواتر مفهوم الزمن في أعماله بتعييناته المختلفة من حدث وبدعة وجدة وذاكرة وتوبة وسنة وإصلاح حيث يكاد الزمن يتخذ هيئة القدر الخارج عن نطاق الإنسان القادر على إرغامه على الرضوخ له والتكيف مع إكراهاته.

من خلال القيام بعمليات تفكيك جذرية للمفاهيم والأفكار والمسلمات، سواء تجاه السُّنة الإسلامية أو المسبقات الغربية، لإعادة بنائها بكيفية تكاد تكون شبه أسطوريةّ، أراد العروي مساءلة الجذور والأصول حيث أن “الوقوف على البدايات يكشف حتما الدوافع والغايات، إذ هي وسائل يوظفها المنظم الأعظم الذي هو الزمن أو المصير أو القدر”. (العروي، 2008، ص9) حيث قام بإعادة النظر في مكونات أطراف الزمن ليصبح الحاضر شرطا لوجود الماضي والمستقل من خلال إعطائهما فرصة الحضور في الحاضر. “لا تهم العبارة المستعملة، نشأة التاريخ، الوعي بالزمن، إيقاظ الذاكرة، المهم هو أن الوقفة بحد ذاتها تخلق نسقا، تحدد سابقا ولاحقا، نهاية وبداية، وهذا النسق الناشئ يتحول إلى مقياس ويرسم وجهة لانسياب الزمن، وبالتالي يعطي الإنسان القدرة على عكسه واسترداده، والقدرة المذكورة هي الذاكرة…كقوة على عكس الزمن دون الوعي بالعملية.”(العروي، 2008، صص47-48)

فهذه القوة البشرية التي لا نعرف اليوم كيف نشأت أو أين موقعها بالنسبة إلى الحياة والوعي والإدراك؟ أو علاقتها بالنطق والتخيل والتمثل والترميز؟ وهل هي قوى متعددة أم وظائف مختلفة لقوة واحدة؟ هذه الأسئلة لم نستطع حتى اليوم الإجابة عنها، فرغم التطورات التي عرفها علم النفس وعلم الأعصاب وما واكبه من تشريح للدماغ وتحديد وظائفه، إلا أنه لم يفلح إلى حد الساعة في فهم طبيعة الذاكرة وفك شفرتها، وتحديد ميكانيزماتاشتغالها وعلاقتها بباقي القوى الإنسانية الأخرى.(المصباحي، 2015، صص167-188) وحينما يستطيع رجل العلم فك لغز الذاكرة بمعناها العام؛ أي معرفة آليات اشتغالها (من حفظٍ للآثار والقدرة على استردادها في كل لحظة)، ويرصد تلك القوة الكامنة داخلها عندئذ يتم حل المشكلة ولن يبقى هناك لغز أو لبس حول الوحي. (العروي، 2008، صص44-45)

ومفهوم الذاكرة في كتاب “السنة والإصلاح”، يرتبط بمفهوم آخر، الذي له أيضا علاقة مباشرة بالوحي والحديث هنا عن مفهوم الزمن (المصباحي، 2015، صص167-188)، فهذا الأخير حسب العروي، مرتبط بالذاكرة ولا ينفصل عنها، ورغم أننا لا نعلم سر هذا التلاقي الموجود بينهما، إلا أنه لا ينبغي أن ننكر كيف أن الذاكرة توجه الزمن وتنزع عنه صفة الإطلاق. إنه بهذا المعنى زمن مُوجِّه وغائي، وهو مختلف تماما عن الزمن الخطي، وأيضا عن الزمن الدائري، فهو أولا وقبل كل شيء زمن بشري يبدو كما لو أنه زمن داخل زمن، إذ إنه تجربة شعورية توجد بالإنسان وفي داخل الإنسان، الشيء الذي يجعله زمن واعٍ بذاته، متجدد ومتجه نحو غاية ما (المصباحي، 2015، صص176-187)، وهذا الزمن الموجه، الذي له علاقة مباشرة مع الذاكرة، يستطيع بمساعدة الكتابة والنطق أن ينشئ كل أشكال الحكي من قصص وأمثولة وحكاية وملحمة ومأساة وخطاب ورمز وخيال وغيب. (العروي، 2008، صص41-44)

بناءً على هذا القول، نستنتج الخلاصة التالية: إن وقوف العروي على مسألة الذاكرة وعلاقتها بالزمن باعتبارها نقطة البداية، هو وقوف عند لحظة الانكشاف؛ أي تلك اللحظة البدْئية التي كان النبي فيها يتلقى الوحي، وذلك لمعرفة ماذا حصل بالضبط في تلك اللحظة، ولتقفي أثر هذه المسألة يحاول العروي الرجوع خطوة إلى الوراء؛ أي ماذا حدث قبل لحظة الوحي (بنضو، 2019). إن كل مناحي البحث حول هذه المسألة تقودنا حسبه إلى تجربة إبراهيم، باعتبارها لحظة تجلّي الزمن المرتد، فإبراهيم على حد تعبير محمد المصباحي “يمثل مركز البرهنة، ولحظة ظهورالذاكرة في الوقت الذي توقفت فيه الإنسانية والتفتت إلى ماضيها” (المصباحي، 2015، ص182).

يمكن توظيف الزمن تارة لإحداث التعاقب والتسلسل الزمني ضمن سجل تاريخي معين، “كرصد المقالات في تسلسلها الزمني حسب ما جاء في السجل الهلستيني”(العروي، 2008، ص21) أو لانتقاد استعماله لاصطناع تسلسل تعسفي يتوهمه بعض مؤرخي الفلسفة الغربية الذين يدعون بأن الفلسفة الحديثة إحياء للفلسفة القديمة متجاوزين الحقبة الوسيطية، سيما المتصلة بنا…والعلم التجريبي، هو وليد التأمل اليوناني القديم.

لقد “ظل الفيلسوف مشغولا بالنقل والترجمة، فلم يسأل نفسه في فترة جد متأخرة: وماذا كان قبل الإغريق، ذاك لم يذكروه قط وضمنوه فقط؟”(العروي، 2008، ص15) في تاريخهم خلسة. وعليه، فإن الأمر حسب العروي، يتطلب “بكل وعي وبدون تردد، إعادة ذلك السجل إلى مجاله الزمني الأصلي، أي العهد الهلستيني المقدر بألف سنة (تقريبا من فتوحات اسكندر المقدوني، بداية القرن الرابع قبل الميلاد، إلى ظهور الإسلام أواسط القرن السادس بعد الميلاد)” (العروي، 2008، ص17). مهما نقل اليوم عن سوابق العهد الهلستيني، ذلك العالم المجهول الذي وجد خاتمته في الثقافة الهلستينبة، بمعنى أنه كان عليه، ولابد، أن يتوجه إلى تلك الخاتمة بالذات. ويؤكد عبد الله العروي، بشكل تقريري، بأن “الفلسفة كما نفهمها -المدرسية أو الكلاسيكية -هي دائما في مضمونها أو أسلوبها هلستينية، مرتبطة إلى الأبد بذلك العهد. فمن تفلسف اليوم، يقول المؤلف، فهو يتهلسن بالضرورة.”(العروي، 2008، ص18)

غاية العروي نزع هالة التقديس اللاتاريخية التي كانت تُضفَى على اللحظة الهلّينية، اللحظة التي تمثل في نظر مُدّعيها حالة نقاء “الفكر الغربي اليوناني” من أي تشويش واختلاط وارد عليه من الشرق. وبدلاً من ذلك، نجده يُضفِي تلك الهالة على اللحظة “المقابلة” لها، اللحظة الهلستينية “كونها مرآة تعكس الكل في الكل”(العروي، 2008، ص75)، إنها لحظة لقاء الحضارة اليونانية مع الحضارات الشرقية. فنحن “نعيش اليوم عهدا هلستينيا جديدا حيث تختلط المناهج الأربعة: الميثولوجيا، الميتافيزيقا، الثيولوجيا، العلم الوضعي. نراها تتجاور في كل مجال، بل تتداخل وتتلاحق”(العروي، 2008، ص18). فليس صحيح، حسب العروي، ما قرره أوغيست كونت من أن الميتافيزيقا فندت الثيولوجيا وعبدت الطريق أمام العلم التجريبي والفكر الوضعاني. 

ويُؤكد منذ البداية أن الوحي كظاهرة تفرض ذاتها علينا تاريخيا وذاتيا، بل وأصبحت طريقا ثالثا للمعرفة على غرار  الحس والعقل، وبالتالي فهو ليس مجرد مسألة “عرضية أو افتراض يشير إلى الحلم أو التكهن أو التوهم على إمكانية حدوثه، بل أمسى واقعا منتظما ومُنظما”(العروي، 2008، ص24) وبالرغم من أنه أراد أن يخرج من “كهف” الحاضر نحو “نور” الماضي، فإن خطابه كان موجها إلى عمق الحاضر والمستقبل. فقد حاول الخروج من كهف التاريخ الواقعي، إلى كهف ثان، كهف التاريخ الميثولوجي، عندما سيجعل نقطة انطلاقه راموز النبي إبراهيم، مشفوعا بالفلسفة الهلستينية.

2) الوحي في التجربة الإبراهيمية

لكل ذاكرة نقطة بدء. وعندما يتذكر الإنسان المتوسطي سوابق العهد الهلستيني الذي لا يعلم عنه إلا شذرات متفرقة، فإنه ليس في مقدوره أن يروي تفاصيل ما مر من بطولات ومن مآس، فينوب العروي عنه لإرجاع الذاكرة إلى البداية. يسترد الماضي، يسجل، يصف، يختزل… يلعب النبي إبراهيم دور المبدأ والغاية بالنسبة لكل شيء فهو لغز الذاكرة، بزوغها، موقعها من الوعي، آلياتها، آثارها، علاقاتها بالإحساس، بالخيال، بالتمييز وبالعقل. “كل شيء يبدأ مع إبراهيم، وكل شيء ينتهي إليه. قصته مؤثرة، سيما فينا أبناء إسماعيل، لأننا أعرناها صيغة أكثر صفاء وبداهة. نزعنا عنها كل الزوائد… فيه وبه تحصل القطيعة الكبرى، مع الكون ومع الكواكب، مع الجماعة ومع الأسرة، مع الحضارة ومع الاستبداد. هو من يكسر ويجبر، يهدم ويشيد، يخفي ويظهر…قصة إبراهيم ذات ظهور وبطون، حمالة لتأويلات عدة”(العروي، 2008، ص52) فيضعها في سياقها التاريخي حيث تأخذ دلالتها العميقة والمتسقة.

شكلت تجربة إبراهيم حدثا مفصليا في تاريخ البشرية ككل، فإبراهيم خاض وحده تجربة فريدة لم يخضها أحد قبله من الأنبياء، وفحوى هذه التجربة هو أن إبراهيم سلك الطريق إلى الحق “الواحد الدائم، رب السماوات والأرض، يسمع ويجيب، هذه تجربة إبراهيم وهي خاتمة، يختزل بها كل شيء، الزمن والمكان في نقطة واحدة. وانطلاقا من هذه النقطة يعاد بناء كل شيء، ما يرى يعرف، يتخيل، الكون، الحياة، الإنسان، الشعور… لا ماضي غير ما حصل لحظة الكشف ولا مستقبل سوى ما حصل فيها”(العروي، 2008، ص65) ولحظة الكشف هذه لا تتأتى إلا بتفعيل ملكة السمع والبصر والفؤاد، التي بواسطتها نلخص الماضي ونحتويه بدل أن يحتوينا، ونقبض عليه بدل أن يقبض علينا، وننظر إليه من خارجه بدل أن نكتفي بالنظر إليه من داخله.

فتجربته تختزل الزمن والمكان في نقطة واحدة، وانطلاقا من هذه النقطة يعاد بناء كل شيء، فهي تجعلنا نرى ما كان وما سيكون (العروي، 2008، ص182)، إذ تمثل الحد الفاصل والقطيعة الكبرى مع الماضي، فمعه -كما يقول “محمد مزوز”، ستعرف الحضارة تحوّلا جذريا في مسارها، لأنه الوحيد من بين قومه الذي “اختار الدخول في تجربة “التيه”، بحثا عن إله (آلهة) لإنقاذ مستقبل البشرية من الضلال (ضلال الخضوع)؛ [ذلك أن] تجربة التيه تعني الهروب من سلطان المعبد والكهنوت إلى فضاء الصحراء اللامتناهي، وإلى أعالي الجبال، من أجل استدرار الوحي من ملكوت المدى عبر الإنصات إلى الصدى القادم من بعيد”.(مزوز،2018، ص153)

إن تجربة إبراهيم بهذا المعنى، هي رمز “لتجربة استبدال حضارة الجبال في الصحاري بحضارة الأنهار في الشريط الخصيب. استبدال له ما يبرره: الهجرة من جبروت السلطان عبر البحث عن معتقد جديد يضمن الحرية خارج الأسوار.”(مزوز، 2018، ص153) إنه إذن، انتقال من التدين المغلق المحكوم بسياج الأسوار والمعابد إلى تدين مفتوح يقوم على الإنصات إلى أصداء الوحي الذي يمثل رسالة الإله التي يبعثها إلى شخص خياله ليست كخيال الجميع، وذاكرته مميزة، شخص مصطفاً ومنتقاً بشكل جيد يكون قادرا على تبليغ رسالة الإله الواحد ونقلها إلى لغة القوم لكي يفهمونها.(بنضو، 2019)

ابتدأ إبراهيم بالشك أولا، حيث أنه شك ثم حاور قومه والكواكب والشمس والقمر حتى إذا لم يقتنع بكل هذا فضل الترحال واعتزال قومه، وبهذا سوف يلغي إبراهيم الماضي بأكمله والحضارة وكل ما أنجزه الإنسان، لذلك فسر تجربة الوحي تكمن خصيصا في فهم العلاقة بين الترحال والحافظة حيث أن الرحالة تكون لديه حافظة قوية. “ابراهيم ابن الحضارة العاق يهجرها ليتحرر من رقبتها وقيودها ويقيم على حافتها، لا بعيدا عنها ولا قريبا منها، لا داخلها ولا خارجها”(العروي، 2008، ص54) يتحول إلى ثائر مجادل ورجل الفصل والتبسيط. وهو ما جعله ينزع نحو التوحيد كمصادرة ومبدأ الحياة لتجاوز تجربة إنسانية فاشلة.

إن العروي هنا لا يهتم بقصة إبراهيم كمضمون، ولكن ما يهمه فيها هو خطابها الحامل لتأويلات عدة، حيث إنها تعكس بحق تحوّلا دراميا وتراجيديا طرأ في الحضارة البشرية، لنحاول أن ننصت إليه، وهو يحدثنا عن هذه المسألة قائلا: “لا يهمنا مضمون القصة بقدر ما تهمنا كخطاب، كذكر كإنتاج لقوة الذاكرة (…) [ذلك أن إبراهيم] هو لغز الذاكرة وبزوغها وموقعها من الوعي وآلياتها، أثارها وعلاقتها بالإحساس وبالخيال (…) والقوى النفسية والروحية”(العروي، 2008، صص52-56).

إبراهيم هو الذكرى التي تجمع بين الثنائيات من قبيل العقوق والوفاء، النسيان والحفظ، الحوار والجدال. إنه رجل الفصل بين الكثرة والوحدة، فالتوحيد عنده مسألة استدلال ومصادرة ومبدأ حياة. ولهذا، استحق أن يكون أب الجميع أب آدم ونوح، وموسى وعيسى ومحمد. (العروي، 2008، ص55) إنه أب الأنبياء والرسل وأب الديانات التوحيدية كلها. يقول العروي: “لا دين إلا ما هو إبراهيمي المنحى”(العروي، 2008، ص63) فدعاء إبراهيم هو بمثابة نداء وجواب، وكشف ورؤيا، والرؤيا في الواقع هي “مبادلة، ومحاورة، ومعاهدة، وموالاة”(العروي، 2008، ص60) مع المجيب والمرئي، الواحد الأحد، الحاضر والحي. إنها محاورة مع الحق (الله) من خلال قراءة الخلق (الكون)، يقول العروي: “نسجل أول ما نسجل أن إبراهيم هو صاحب المبادرة، هو الذي يُقدم على قطع المسيرة ويوقف الزمن، إذ يشكك، يحاور، يدعو، يجاب، يطمئن ويقر. وعندها تنقلب الأمور، يتحول الجواب إلى وحي وأمر.” (العروي، 2008، ص52).

يُسائل العروي المؤرخ النقدي عن إمكانية ظهور إبراهيم آخر غير هذا الذي نعرفه في منطقة غير منطقتنا، والنتيجة التي يصل إليها هي أنه لم يعثر لحد الآن على آثار إبراهيم آخر عند غير الساميين (العروي، 2008، ص56)، وصورة هذا الأخير هي التي تغيرت، حيث تم توارثها من جيل إلى جيل عن طريق الذاكرة الجماعية (العروي، 2008، صص66-68) ، وهذه الصورة المتوارثة اختلفت باختلاف الورثة، حيث إن إبراهيم لم يخلف وارثا واحدا يكون نسخة له، بل عدة ورثة (أنبياء)، بهم تنوعت التجربة وعبارتها، وهم كذلك مروا بالتجربة نفسها وتوقّفوا عند الحد نفسه.(العروي، 2008، صص66-68)

3) خاتمة

فكرة الله الواحد الأحد كخلاصة، خاتمة لحقبة طويلة، هي فكرة إبراهيمية مادام الباحثون إلى حد الساعة لم يكتشفوا تجربة مماثلة للتجربة الإبراهيمية. وهنا يشير العروي إلى أن انحصار معارف العالم القديم في منطقة السد يجعلنا نعتمد التجربة الإبراهيمية كمنطلق لكن هذا لا يعني أنه لم تكن هناك تجارب مماثلة للتجربة الإبراهيمية إلا أنها ظلت مجهولة. إبراهيم هو الأصل والمنبع إذ يجسد القوة الحافظة، فهو بحق أبو الجميع، أب الأمم، تجربته فريدة، حصلت، في زمن ما، وموضع ما، قابلة للتجدد والتكرار لكن في صورتها الأصلية قبل أي تخصيص. لا هو يهودي ولا هو نصراني، إبراهيم هو الخليل وكفى. “في هذا المنظور لا دين إلا وهو إبراهيمي المنحى.(العروي، 2008، ص63)

المصادر والمراجع:

  • المصباحي، محمد.2014.”صراع الحدث والسنة في كتاب السنة والإصلاح لعبد الله العروي”. مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث.

  • مراد، بنضو. 19 يونيو 2019. قراءة نقدية لإشكالية الوحي بين الذّاكرة والزّمن في كتاب السّنة والإصلاح .https://www.mominoun.com/articles

  • العروي، عبد الله. 2008.الإصلاح والسنة، المركز الثقافي العربي، بيروت، الدار البيضاء.

  • سبيلا محمد وبنعبد العالي عبد السلام.2004. الحداثة. الدار البيضاء: سلسلة دفاتر فلسفية، العدد 6 دار توبقال للنشر، الطبعة الثانية.

  • مزوز، محمد. 2018.فلسفة الدين بين التجربة الباطنية والتأمل النظري، مؤمنون بلا حدود للنشر والتوزيع، الرباط، الطبعة الأولى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى